حين يتكلم الجسد بدلًا منا
الكاتب هاني الميهي
الفصل السادس
رأيتُه هذا الصباح أمام المرآة.
لم يكن هناك شيء استثنائي في المشهد.
وجهٌ لم ينم جيدًا، شعرٌ لم يجد وقتًا كافيًا ليُصفَّف، قميصٌ أُغلقت أزراره بسرعة، وربطة عنق أُعيدت مرة ثانية لأن العقدة الأولى لم تعجبه.
كان كل شيء طبيعيًا.
أو هكذا بدا.
غسل وجهه، ثم رفع عينيه إلى المرآة.
ظل ينظر إلى نفسه ثواني أطول مما ينبغي.
لم يسأل: ما الذي يحدث لي؟
فقط قال بصوت خافت:
«أنا بخير.»
كنت أعرف أنه لم يكن يجيب أحدًا.
كان يجيبني.
أنا التي كنت أراقبه من الداخل.
أنا التي أعرف أن الإنسان كثيرًا ما يقول «أنا بخير» قبل أن يسأله أحد.
خرج من الحمام.
أخذ هاتفه.
فتح البريد الإلكتروني.
رسالة من مديره.
قرأ السطر الأول.
ثم توقف.
لم يحدث شيء في الغرفة.
لكن شيئًا حدث في جسده.
شدّ كتفيه قليلًا.
تنفس بسرعة.
وضع الهاتف على الطاولة.
ذهب إلى المطبخ.
فتح الثلاجة.
نظر إليها دون أن يأخذ شيئًا.
أغلقها.
عاد إلى الهاتف.
قرأ الرسالة مرة أخرى.
هذه المرة كان وجهه أكثر هدوءًا.
أما جسده فلم يقتنع بعد.
ظل كتفه مشدودًا.
وظلت أصابعه تضغط على الهاتف بقوة.
اقتربت منه أكثر.
كنت أريد أن أسأله:
لماذا يحتاج جسدك إلى أن يتوتر قبل أن تعترف أنت بأنك خائف؟
لكنه لم يسمعني.
أو ربما سمعني واختار ألا يجيب.
وهذه واحدة من أغرب الأشياء التي تعلمتها عن الإنسان:
أنه يستطيع أن يكذب على نفسه بالكلمات، لكن جسده لا يجيد الكذب بالطريقة نفسها.
أحيانًا لا يبدأ التعب من العضلات.
يبدأ من شيء حدث منذ أيام.
جملة قيلت في اجتماع.
خبر قرأته قبل النوم.
مكالمة لم تكتمل.
خوف لم تجد له اسمًا.
قرار مؤجل.
مشكلة في العمل.
خلاف صغير مع شخص نحبه.
أو سؤال بسيط ظل يتكرر في الرأس:
وماذا لو حدث الأسوأ؟
ثم يمضي الإنسان في يومه.
يعمل.
يضحك.
يتحدث.
يرد على الرسائل.
يقود سيارته.
يعود إلى البيت.
يأكل.
يتصفح هاتفه.
ويقول لنفسه إنه تجاوز الأمر.
لكنني أراه في الليل.
حين يهدأ كل شيء.
حين تنطفئ الشاشات.
حين لا يعود هناك اجتماع يحتاج إلى التركيز، ولا رسالة تحتاج إلى إجابة، ولا أحد يحتاج منه أن يبدو قويًا.
هناك فقط…
سرير.
وسقف.
وصمت.
وأفكار لم تجد مكانًا مناسبًا للظهور طوال اليوم.
عندها يبدأ الجسد في الحديث.
نبضة أسرع.
تنفس أثقل.
فكّ مشدود.
كتفان لا يعرفان كيف يسترخيان.
عينان تراقبان الساعة.
تقلب على الجانب الأيمن.
ثم الأيسر.
ثم يمد يده إلى الهاتف.
ليس لأنه يريد شيئًا.
بل لأنه يريد أن يهرب من شيء.
وأنا أعرف ذلك.
لأنني كنت معه طوال اليوم.
لكنني تعلمت ألا أظلم الجسد.
ليس كل صداع رسالة نفسية.
وليس كل إرهاق سببه الحزن.
وليس كل خفقان خوفًا.
الجسد له أمراضه وأسبابه وظروفه، ولهذا فإن تجاهل الأعراض أو اختزالها في الحالة النفسية قد يكون ظلمًا آخر.
لكن هناك شيئًا لا يمكن إنكاره:
إن الإنسان لا يعيش في جسدين؛ جسد ونفس.
إنه يعيش في كيان واحد.
ولهذا يتأثر ما في الداخل بما يحدث في الخارج، ويتأثر الجسد بما نحمله في الداخل.
وقد يكون التعب تعبًا جسديًا خالصًا.
وقد يكون وراءه ضغط نفسي.
وقد يجتمع الاثنان.
المشكلة ليست في أن نبحث عن تفسير نفسي لكل ألم.
المشكلة أن نعيش إلى جوار أجسادنا سنوات، ثم لا ننتبه إليها إلا عندما ترفع صوتها.
رأيت موظفة تجلس في مكتبها ذات صباح.
كان أمامها ملف مفتوح.
على الشاشة جدول طويل.
حولها أصوات متقطعة.
هاتف يرن.
رسائل تصل.
أحدهم ينتظر توقيعها.
آخر يريد قرارًا.
وثالث جاء بمشكلة لا تخصه وحده، لكنه قرر أن يجعلها مشكلتها.
قالت:
«أعطوني خمس دقائق.»
ثم أغلقت عينيها.
وضعت أصابعها على جبينها.
تنفست ببطء.
لم يكن أحد يراها.
لكنني رأيت.
لم تكن تحتاج إلى خمس دقائق للعمل.
كانت تحتاج إلى خمس دقائق دون أن يطلب منها أحد شيئًا.
وهذا فرق كبير.
بعد دقائق دخل موظف وقال:
«معلش، عندي حاجة صغيرة.»
فتحت عينيها.
ابتسمت.
وقالت:
«اتفضل.»
وكأن الدقائق الخمس لم تكن موجودة أصلًا.
هكذا يفعل الإنسان أحيانًا.
يطلب من نفسه أن تتحمل شيئًا جديدًا، بينما لم تحصل على فرصة لاستعادة ما تحملته قبل قليل.
ثم يتساءل بعد أشهر:
لماذا أصبحت متعبًا طوال الوقت؟
وأنا أعرف الإجابة.
لأنك لم تكن ترتاح.
كنت فقط تتوقف قليلًا بين مهمتين.
هناك أشخاص لا يعرفون أنهم متعبون إلا عندما يمرضون.
ظلوا سنوات يربطون الراحة بالكسل.
إذا جلسوا شعروا بالذنب.
إذا ناموا مبكرًا شعروا أن هناك شيئًا يجب أن يفعلوه.
إذا أغلقوا الهاتف شعروا أنهم سيفوّتون شيئًا.
إذا قالوا «لا أستطيع اليوم» شعروا أنهم خذلوا أحدًا.
حتى أصبح الاستنزاف بالنسبة إليهم علامة طبيعية على النجاح.
وأصبح الجسد هو الموظف الوحيد الذي يملك شجاعة تقديم الاستقالة.
لا يرسل بريدًا إلكترونيًا.
لا يطلب اجتماعًا.
لا يكتب خطابًا.
فقط…
يتعب.
أحيانًا يكون الجسد أول من يعرف أن العلاقة تغيرت.
قبل أن تعترف أنت.
قبل أن تقول:
«لم أعد مرتاحًا.»
يبدأ شيء صغير.
لا تريد أن ترد على الاتصال.
تؤجل اللقاء.
تشعر بثقل قبل أن ترى الشخص.
تبتسم، لكنك لا تشعر بالرغبة في الابتسام.
تعود إلى البيت وتكتشف أنك كنت طوال الوقت مشدودًا دون أن تعرف لماذا.
ثم تقف أمام نفسك وتسأل:
«ماذا حدث لي؟»
ربما لم يحدث لك شيء.
ربما حدث شيء في العلاقة، لكنك لم تسمّه بعد.
فالإنسان أحيانًا يحتاج إلى وقت طويل حتى يلحق وعيه بما عرفته نفسه منذ البداية.
وأحيانًا يكون الجسد أكثر رحمة منا.
يمنعنا من الاستمرار.
يجبرنا على النوم.
يجعلنا نبطئ.
يأخذ منا الطاقة التي كنا نستخدمها للهروب.
كأن الجسد يقول:
لقد ركضتَ بما يكفي.
لكننا نغضب منه.
نقول:
«لماذا أنا متعب؟»
«لماذا لا أستطيع التركيز؟»
«لماذا لم أعد كما كنت؟»
نبحث عن طريقة تجعلنا نعود بسرعة إلى النسخة القديمة من أنفسنا.
ولا نسأل السؤال الأهم:
وماذا لو كانت النسخة القديمة هي التي أتعبتني أصلًا؟
تأملتُ رجلًا آخر.
كان قويًا في أعين الجميع.
هو الشخص الذي يلجأ إليه الآخرون.
إذا حدثت مشكلة، اتصلوا به.
إذا اختلف اثنان، طلبوا رأيه.
إذا انهار أحد، قالوا:
«هو سيتصرف.»
كان معتادًا على أن يكون الحائط.
لكن أحدًا لم يسأله يومًا:
من أين يأتي الحائط بقوته؟
كان يعود إلى البيت.
يغلق الباب.
يضع مفاتيحه على الطاولة.
يخلع ساعته.
ثم يجلس.
لا يتحدث.
زوجته كانت تعرف أنه متعب.
لكنها لم تكن تعرف كم.
وأبناؤه كانوا يظنون أنه فقط يريد الهدوء.
أما أنا…
فكنت أعرف.
كنت أراه يجلس وحده، ويده على ركبته، ونظره ثابتًا في نقطة لا وجود لها.
كان يريد أن يبكي.
لكنه لم يفعل.
لأنه طوال حياته تعلم أن الناس يحتاجون منه القوة.
ولم يتعلم أن القوة نفسها تحتاج أحيانًا إلى مكان آمن تضع فيه رأسها.
كنت أراقب جسده وأفكر:
كم مرة جعلنا الإنسان يعتذر عن تعبه؟
كم مرة قلنا لشخص:
«أنت أقوى من كده.»
وكأن القوة تعني ألا تتألم.
كم مرة رأينا شخصًا منهكًا فطلبنا منه مزيدًا من الصبر؟
كم مرة أعجبنا بإنسان لأنه يتحمل، دون أن نسأل أنفسنا:
هل ينبغي له أصلًا أن يتحمل كل هذا؟
هناك فرق بين الصبر والاستنزاف.
بين المسؤولية وإلغاء الذات.
بين التحمل والنزيف البطيء.
والإنسان لا يكتشف الفرق دائمًا بالكلمات.
أحيانًا يكتشفه عندما يبدأ جسده في التحدث.
كنت أظن أن الإنسان حين يصمت، يكون قد انتهى من الكلام.
ثم اكتشفت أن الأمر معكوس.
أحيانًا يصمت الإنسان لأن الكلام أصبح أكبر من قدرته على حمله.
فيتكلم جسده.
فيصبح الصداع جملة.
والأرق سؤالًا.
والإرهاق اعتراضًا.
والشد العضلي رسالة.
والتنفس الثقيل محاولة للنجاة من شيء لم يجد طريقه إلى الكلمات.
لكنني لا أريدك أن تخاف من جسدك.
ولا أن تراقب كل نبضة وكأن وراءها كارثة.
أريدك فقط أن تنصت.
أن تعرف أن جسدك ليس آلة مطالبة بالعمل حتى تتوقف.
وأن الراحة ليست مكافأة تمنحها لنفسك بعد أن تنتهي من كل شيء.
لأن الأشياء لن تنتهي.
دائمًا هناك بريد جديد.
مكالمة جديدة.
فاتورة جديدة.
اجتماع جديد.
مشكلة جديدة.
خبر جديد.
وموعد جديد.
إذا انتظرت أن ينتهي العالم كي ترتاح، فلن ترتاح.
في آخر الليل، عاد الرجل الأول إلى سريره.
وضع الهاتف بعيدًا هذه المرة.
أطفأ الضوء.
استلقى.
جاءته الفكرة نفسها.
«ماذا لو لم تسر الأمور كما أريد؟»
أغمض عينيه.
ثم فتحهما.
ظل السقف أمامه.
لم يجب.
لكنه هذه المرة لم يهرب.
وضع يده على صدره.
تنفس ببطء.
وقال:
«أنا خائف.»
كانت جملة صغيرة.
لكنني شعرت بشيء يتغير.
لم تختفِ المشكلة.
لم يتغير الغد.
لم تصله رسالة تحمل حلًا.
لكن شيئًا واحدًا حدث:
توقّف عن إجبار نفسه على أن يبدو بخير.
وأحيانًا يكون الاعتراف بداية الهدوء.
ليس لأن الاعتراف يحل المشكلة، بل لأنه يوقف الحرب الصغيرة التي نخوضها داخل أنفسنا ضد حقيقة نشعر بها بالفعل.
نظرت إليه.
كان لا يزال خائفًا.
لكن كتفيه انخفضا قليلًا.
ثم أغمض عينيه.
هذه المرة لم يكن يحاول الهرب من أفكاره.
كان يسمح لها بالمرور.
ربما لهذا أراقب الإنسان دائمًا عندما يظن أن أحدًا لا يراه.
هناك، بعيدًا عن الكلام، تظهر الحقيقة.
عندما يغلق الباب.
عندما يضع الهاتف على الصامت.
عندما يجلس في سيارته بعد الوصول ولا ينزل.
عندما يقف أمام المرآة ولا يعجبه ما يرى، رغم أن وجهه لم يتغير.
عندما يضحك بصوت أعلى من اللازم.
عندما يقول «لا شيء» بسرعة.
عندما يكرر «أنا بخير» دون أن يُسأل.
هناك…
أكون أنا.
نفسه.
الكاميرا الصغيرة التي لا تنام.
والتي تسجل كل شيء.
نظرة لم تكتمل.
تنهدًا لم يُسمع.
يدًا ارتجفت.
دمعة عادت إلى مكانها.
كتفًا حمل أكثر مما ينبغي.
وقلبًا ظل يقول:
أنا أستطيع.
حتى صدّقه الجميع.
إلا الجسد.
رسالة الفصل
لا تنتظر حتى يرفع جسدك صوته كي تسمعه.
انتبه إلى التعب قبل أن يتحول إلى انهيار، وإلى الضغط قبل أن يصبح أسلوب حياة، وإلى المشاعر قبل أن تضطر إلى الظهور بطريقة لا تختارها.
لا تجعل قوتك سببًا في تجاهل إنسانيتك.
فليس كل ما تستطيع تحمله يجب أن تحمله.
وليس كل توقف ضعفًا.
وليس كل راحة تأجيلًا للحياة.
أحيانًا تكون الراحة هي الطريقة الوحيدة التي تقول بها لنفسك:
ما زلت أريد أن أعيش هذه الحياة، لا أن أنجو منها فقط.
تمهيد للفصل القادم
لكن الجسد لا يتحدث وحده.
هناك شيء آخر يسبق صوته أحيانًا…
الكلمات التي نقولها لأنفسنا.
تلك الجملة الصغيرة التي تتكرر في الرأس حتى تصبح حقيقة.
«أنا لست كافيًا.»
«سأتأخر.»
«الجميع أفضل مني.»
«لا بد أن أكون أقوى.»
«إذا توقفتُ، سيسبقني الجميع.»
«لو فشلتُ مرة، انتهى كل شيء.»
ربما لا ننتبه إلى خطورة الكلمات التي نكررها في الداخل، لأن أحدًا لا يسمعها.
لكنني أسمعها.
وأعرف كيف يمكن لجملة واحدة أن تغيّر طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه… ثم إلى العالم كله.
وفي الفصل القادم، سأفتح الكاميرا على المكان الذي لا يراه أحد: الصوت الذي يحدث داخل رأسك.






المزيد
مُحاكمة بقلم رؤى خالد محمد.
زوال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
حين يتكفّل الله بإظهار الحقيقة بقلم إبن الصعيد الهواري