مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

چيهان رحمة الله عليها – الكاتبة أماني سعيد

• چيهان رحمة الله عليها.
• أماني سُعيد.

جلستُ اليوم مع رهطٍ من أهلي، وكنت مع شيخين طاعنين في السنّ، هما بمنزلة جدي وجدتي، وقد بلغ كل منهما ما بعد الستين من العمر. يحملان في عينيهما حكايات زمنٍ طويل. وقبل أن يصيرا جدًا وجدة، كانا والدين للدكتورة جيهان رحمها الله.
جيهان… اسمٌ يتردد صداه في جنبات البيت.. بيتنا كأنها لم تغادر قط. توفيت منذ إحدى وعشرين سنة، بعد عام واحد فقط من مولدي، وفي الشهر نفسه الذي أبصرت فيه عيناي النور. كانت شابة يافعة، لم يمضِ على تخرجها سوى بضع سنوات لا تُعد على أصابع اليد الواحدة. أتذكر، أو بالأحرى، يُقال لي إني كنت طفلاً رضيعًا حين كشفت عليّ. كانت طبيبة أطفال ماهرة، وكم كانت تتجلى فيها من صفات حسنة لا تُحصى! أحبها الناس أجمعون، وظلوا يذكرونها بالخير على الرغم من مرور كل هذه السنين على وفاتها.
الغريب، ورغم كل هذه السنوات التي مرت على غيابها، أن والديها لا يزالان يتحدثان عنها في كل مرة، وكأنها لم ترحل قط. حديثهما عنها يهيمن على كل ذرة في كيانهما، يقينٌ راسخ بأنها لم تغادر قلوبهما وعقولهما، وستظل كذلك حتى يوم يبعثون.
على الرغم من أنها المرة الثانية التي ألتقي بهما، إلا أنهما لا يتحدثان إلا عنها. يتحدثان عنها بكل حب يملأ القلوب، وبكل شوق يكاد يمزق الصدور، وبكل فقدٍ يُحيل الدنيا قفرًا. يتحدثان عنها بكل صبر يذهل، وبكل إيمان راسخ. وعند الإيمان، يجب أن نقف وقفة تأمل، فلولا إيمانهما العميق بقضاء الله وقدره، لجنّت عقولهما من هول الفراق.