الخوف الذي أنقذنا… ثم سجننا
الكاتب هانى الميهى
الفصل السادس
في المرة الأولى التي يخاف فيها الإنسان، يكون الخوف نعمة.
يجعله أكثر انتباهًا، وأكثر حرصًا، ويمنعه من تكرار أخطاء قد تكلفه الكثير. فالطفل الذي يلمس النار مرة، لا يكررها بسهولة. والإنسان الذي يتعرض للخداع، يصبح أكثر حذرًا في المرة التالية. والخوف هنا لا يكون عدوًا، بل حارسًا أمينًا يقف على باب القلب ويحاول أن يحميه.
لكن المشكلة أن بعض الحراس لا يعرفون متى تنتهي مهمتهم.
يبقون في أماكنهم سنوات طويلة، حتى بعد زوال الخطر، وحتى بعد أن تتغير الظروف. وهكذا يتحول الخوف من وسيلة للنجاة إلى أسلوب حياة، ومن شعور عابر إلى سجن غير مرئي يعيش الإنسان داخله دون أن يشعر.
أعرف رجلًا لم يعد يثق بأحد لأنه خُذل مرة واحدة. كانت الخيانة قاسية، نعم، لكنها حدثت منذ سنوات طويلة. تغيرت الوجوه، وتبدلت الأيام، إلا أن خوفه بقي كما هو. صار يراقب الجميع، ويشك في النوايا، ويحسب لكل كلمة ألف حساب. ظن أنه بذلك يحمي نفسه، لكنه لم ينتبه أنه فقد شيئًا أثمن من الأمان… فقد راحته.
وأعرف فتاة كانت تحلم كثيرًا. كانت تملأ دفاترها بالأمنيات، وتؤمن أن الحياة تحمل لها ما يستحق الانتظار. ثم فشلت مرة، وربما مرتين، فتسلل إليها خوف خفي. لم يمنعها من الحلم فقط، بل جعلها تخاف حتى من المحاولة. كانت تقول للجميع إنها واقعية، لكنها في أعماقها كانت خائفة من خيبة جديدة.
الخوف لا يأتي دائمًا في صورة واضحة.
أحيانًا يرتدي ثوب الحكمة.
يقول لك: لا تثق كثيرًا.
ولا تحب كثيرًا.
ولا تحلم كثيرًا.
ولا تبدأ من جديد.
فيبدو كلامه منطقيًا، بينما هو في الحقيقة يسرق منك الحياة قطعة قطعة.
والمؤلم أن الإنسان يعتاد هذا السجن.
يعتاد أن يرفض الفرص قبل أن يرفضه الآخرون.
ويعتاد أن يبتعد قبل أن يُخذل.
ويعتاد أن يخفي مشاعره حتى لا يتألم.
ثم يمر العمر، ويكتشف أنه لم يخسر بسبب ما حدث له، بل بسبب ما لم يجرؤ على فعله بعد ذلك.
هناك خسائر سببها الظروف.
لكن هناك خسائر أخرى سببها الخوف.
خوف جعلنا نغلق أبوابًا كان يمكن أن تقودنا إلى حياة مختلفة.
وخوف جعلنا نؤجل أحلامًا حتى نسينا شكلها.
وخوف جعلنا نتمسك بأماكن لا تشبهنا، فقط لأننا لا نملك شجاعة الرحيل.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
فالخوف الذي أنقذك من السقوط يومًا، قد يكون هو نفسه السبب في أنك لم تتقدم خطوة واحدة بعد ذلك.
ليس لأنه قوي.
بل لأنك منحته أكثر مما يستحق.
الحياة لا تطلب منا أن نكون بلا خوف.
فالإنسان الذي لا يخاف لا يفهم قيمة الأشياء التي يملكها.
لكنها تطلب منا شيئًا آخر…
أن نسير رغم خوفنا.
أن نحب رغم احتمالات الخذلان.
أن نحلم رغم احتمالات الفشل.
أن نبدأ من جديد، حتى لو كانت ذاكرتنا مليئة بالنهايات المؤلمة.
لأن الشجاعة ليست غياب الخوف.
الشجاعة أن تعترف به، ثم ترفض أن تمنحه مقود حياتك.
فبعض الناس نجوا من الحوادث، ولم ينجوا من ذكرياتها.
وبعضهم خرجوا من العلاقات، ولم يخرجوا من خوفهم من الحب.
وبعضهم تجاوزوا الفشل، لكنهم لم يتجاوزوا خوفهم من المحاولة مرة أخرى.
وهؤلاء لا يحتاجون إلى مزيد من الحذر.
بل يحتاجون إلى مصالحة مع الحياة.
أن يفهموا أن الألم ليس نهاية الطريق.
وأن الخذلان لا يعني أن الجميع سيخذلونهم.
وأن الفشل لا يعني أنهم خُلقوا للخسارة.
فالنجاة الحقيقية ليست أن تهرب من كل ما يؤلمك.
بل أن تعيش، رغم معرفتك أن الحياة لن تكون دائمًا عادلة.
أن تفتح قلبك مرة أخرى.
أن تمد يدك للحلم.
أن تعطي نفسك فرصة جديدة.
لأن بعض السجون لا تُبنى من الحديد…
بل تُبنى من خوف قديم، ظل جالسًا داخلنا لسنوات، حتى أقنعنا أن النجاة هي ألا نجرب شيئًا جديدًا.
وهذه ليست نجاة.
هذه حياة مؤجلة.
رسالة الفصل
أخطر أنواع الخوف ليس ذلك الذي يمنعك من السقوط، بل ذلك الذي يمنعك من الحياة.






المزيد
هيباتيا بقلم كلثوم الجوراني
رب كريم… عبد فقير بقلم: أسماء أحمد
قلبي يؤلمني بقلم سها مراد