مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

يحيَ العصفور على أمل التحليق عاليًا وهو لا يزال مكسور الجناحين

كتبت: مريم محمد خليل

 

في كنف ذلك الفناء حدث الكثير من الأمور الغامضة، فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وحيدة في منزل كبير، فلا شيء قادر أن يمسح عن ملامحها تعاسة الماضي إلا أحلامها الوردية التي تعيد فيها الأمل وتبث فيها التفائل، عاد الظلام إليها بعد الكثير من المعاناة لكي تتخلى عنه، لطالما حلمت أن تكون تلك الفتاة الآمنة المحبوبة في كنف عائلتها، لم تكن تريد انتصارات عظيمة، ولا نجاحات باهرة، ولا خيطًا لا ينقطع من المفاجآت، كان جل ما تريده فقط أن تخسر الجميع من أجل وجوده الذي هو انتصار في حد ذاته، تحلم بأشياء تشبه تفاصيل اللوحات الفنية العريقة لا تراها إلا عيون المحب، كانت تبحث في ذاتها عن جيشها، تحلم أن تكون هي من تصنع في نفسها الدهشة وتمثل فيها الجمال، والآن إذا بها في جذوة الذكريات، يصيبها الجزع الشديد من ألم الحنين إلي الماضي الأليم، لا يهدأ من روعها سوى نظرها إلي طوالع النجوم، وتلك الشهب الملونة التي تجول في الأفق البعيد التي تعني أن للحلم بقية، كانت تلك ليلة عصيبة انعدمت فيها كل الأصوات إلا أنين قلبها المسكين، تذرف الدموع من عينيها وكأنها تمطر بغزارة في الثاني عشر من ديسمبر، كانت فتاة غريبة للغاية، كتاباتها حزينة بائسة؛ بينما وجهها ينبض بالضحك، بداخلها حرب كبيرة وعراك لا يكفيه ملء الأمد؛ بينما ظاهرها سلام وسكينة، أفعالها صلبة كالجبال؛ بينما ملمسها ناعم ورقيق، إذا انتبهت إلى تفاصيلها الدقيقة؛ لوجدت كل فعلٍ وضده، بداخلها بحور هائجةً من الديجور المميت؛ ولكنها لا تستطيع البوح بما يعتري حزنها، مرت الأيام والشهور وهي تحاول أن تخرج من قوقعة إكتئابها الذي تكبلها بلا حراك، كانت ترسم حياةً جميلة خارج ذلك السجن المقيد الذي يمحوا عنها آثار الحياة، لم تكن تطلع إلى أكثر من الأمان، ما أبشع هذا المجتمع اللعين، وايقنت في النهاية أنها وحدها، لا أحد معها سوى ظلها، وإن لم تستطع أن تفيق وتنظر إلى المستقبل؛ فستندم باقي عمرها، آمنت بحلمها، وها هي تسعى خلفه بكل صدقٍ، وعزيمة، وإصرار .