الفصل الأول
الإنسان لم يُخلق ليرتاح
اسم الكتاب: ولقد خلقنا الإنسان في كبد
اسم الكاتب: هاني الميهى
أخطر فكرة تسللت إلى وعي الإنسان المعاصر ليست الإلحاد، ولا المادية، ولا الشك،
بل الاعتقاد الخاطئ بأن الراحة حق أصيل،
وأن التعب استثناء،
وأن الحياة إن لم تُرضِ صاحبها فهي حياة ظالمة.
هذا الوهم تحديدًا هو ما دمّر القدرة على الاحتمال،
وأضعف معنى الصبر،
وأفرغ القيم الكبرى من محتواها العملي.
الإنسان — كما يعرّفه القرآن — لم يُخلق في نعيم،
ولم يُخلق في استقرار،
ولم يُخلق في أمان دائم،
بل خُلق في كبد.
والكبد ليس وصفًا لحالة طارئة،
بل توصيف بنيوي لطبيعة الوجود الإنساني.
منذ اللحظة الأولى،
الإنسان ينتزع نفسه من رحم الضيق إلى فضاء الصراع،
يصرخ لا لأنه مظلوم،
بل لأنه انتقل من مرحلة إلى أخرى أعلى كلفة.
ثم يكبر،
فتكبر معه متطلبات الحياة،
وتتسع مساحة المسؤولية،
ويكتشف الحقيقة الثقيلة:
كل خطوة للأمام تتطلب ثمنًا،
وكل اختيار له تكلفة،
وكل قيمة تحتاج تضحية.
ومع ذلك،
تم الترويج لفكرة أن الراحة هي الهدف،
وأن النجاح يجب أن يكون بلا تعب،
وأن الإيمان الصحيح يقتضي الطمأنينة المستمرة،
وأن الألم دليل خطأ في الطريق.
وهنا يبدأ الانهيار.
لأن من ينتظر الراحة في عالم صُمم على المشقة،
سيصطدم بالواقع في كل مرة،
وسيفسّر التعب على أنه فشل،
والاختبار على أنه ظلم،
والتأخير على أنه خذلان إلهي.
والحقيقة أبسط — وأقسى — من ذلك بكثير.
الله لم يقل: سنجعل الحياة سهلة لمن آمن.
ولم يقل: سنرفع عن الإنسان كلفة الاختيار.
بل قال: لقد خلقنا الإنسان في كبد.
أي أن المشقة ليست عيبًا في الطريق،
بل هي الطريق ذاته.
من لا يتعب، لا ينضج.
ومن لا يتحمّل، لا يُؤتمن.
ومن لم يُختبر، لا يُعتمد عليه.
لهذا لم تكن الرسالات طريق راحة،
ولا كانت النبوة حياة استقرار،
ولا كان الصالحون أكثر الناس رفاهية،
بل كانوا أكثرهم احتمالًا،
وأشدهم صبرًا،
وأعمقهم وعيًا بطبيعة الطريق.
الراحة — في أحسن أحوالها —
محطة مؤقتة لإعادة الالتقاط،
وليست غاية،
وليست معيار نجاح،
وليست دليل رضا.
أما من جعلها هدفًا،
فقد سلّم القيادة لوهم خطير،
وترك نفسه تحت رحمة أول ضغط حقيقي.
الإنسان القوي ليس من لا يتألم،
بل من يفهم ألمه،
ويُحسن توجيهه،
ويعرف متى يصبر،
ومتى يغيّر،
ومتى يقاتل،
ومتى ينسحب بكرامة.
الكبد لا يُلغى،
ولا يُهزم،
ولا يُختصر.
إما أن تُديره…
أو يُديرك.
ومن هنا تبدأ أول خطوة في النجاة:
أن تتوقف عن سؤال
“متى أرتاح؟”
وتبدأ في سؤال أخطر:
“هل أتحمّل ما خُلقت له؟”
رسالة الفصل
الراحة ليست مكافأة الحياة،
بل اختبار قدرتك على العودة بعدها إلى المواجهة.
#ولقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري