مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

وجود جدتي.

Img 20240728 Wa0372

 

كتبت: سحر الحاج

اشتاق لتلك الأيام التي كنا نجلس فيها معًا، في ليالي الشتاء الباردة التي كنا نتسامر في لياليها تروي لنا جدتي الحكايات، ويقص لنا جدي بعض المواقف من حياته، وهناك ننتظر أبريق الشاي في الموقد، ومشاهدة التلفاز وصوت ضحك أخواتي الصغار وهن يلعبن حولنا، وأخواي وهما يتجادلان من أجل الهاتف، وتنهض أمي وتفصل بينهم بوُّد؛ قطرات المطر تطرق النافذة، رائحة الزهور أثناء المطر تملأ الأرجاء؛ صوت الرعد القوي، وتقاطع البرق في السماء بين السحب، غزارة الأمطار، وزيادة بردوة الجو، وإقبال أمي علينا بالملابس الثقيلة؛ حتى لا نصاب بالزكام صوت جدتي الوقور، تنادينا لنقترب منها لتكمل لنا الحكايات، ونظرات أعينها وإحتوائها لنا في خوفنا من أصوات الرعد، تلاوة جدي لبعض الادعياء وطمأنته لنا، وشاح جدتي الكبير الذي تُدسر به نفسها، وهي تجلس بيننا تواصل لنا بعض الحكايات، في الصباح نعود لمدارسنا مبتسمين، راضين بما عندنا، كلنا يذهب لمدرسته، شوارع المدنية وهي تملأها مياه الأمطار، عودتنا للمنزل واستقبال أمي لنا نركض لاحضان جدتي وهي تضحك لنا فرحة بمعودتنا، وانتظار عودة أبي في المساء من العمل، ذكريات جميلة ما زالت في الخاطر.

قضينا سنوات وأيام طوال في احسن حال؛ نأكل معًا نتشارك الجلسات بالنهار والعشي، لم نكن بحاجة لأحد! كنا نكتفي بما عندنا ولدينا، الكل ينظر إلينا بعين الحب والمودة، كان بيتنا عامر بالضيوف والأصدقاء حتى الجيران كان لهم مكانة خاصة في قلوبنا وبين حيطان منزلنا، نكتفي بذاتنا وذواتنا لا شيء ينقصنا، عندما يبكي احدنا يلتجئ عند أحضان جدتي، تربت على ظهره وتمسح دمع عينيه، تلقي عليه بالنصائح والكلمات العذبة، كانت تجمعنا على جلسات مسائية تحكي لنا القصص والحكايات من قديم الزمان؛ ثم تروي لنا بعض من حياتهم أيام الصغر والشباب، الجلوس معها كان يريح النفس ويبهج القلب، تعترينا راحة عجيبة واطمئنان غريب ونحن نجلس حولها لنستمع منها، عندما يرتفع الآذان معلنًا وقت دخول الصلاة، ينهض جميعنا لتلبية نداء الصلاة، هناك من يتوضأ بإبريق الوضوء، وهناك من ينتظر دوره كذلك، ذكريات لا تغيب عن البال. حتى بقيت ذكرى جميلة لن أنساها أبدًا.