مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

همهمات أكتوبر الحاضرة

Img 20241223 Wa0369

 

كتبت: هاجر حسن 

 

 

هناك، في ذاك الليل من ليالي شتاء أكتوبر الكئيبة، وقفتُ أتامل طوالع النجوم. السماء مظلمة، كظلمة قلبي، ضوء القمر يحاول أن يرسل لي شعاع من أمل. 

 

أمام صحراء شاسعة، كانت الرمال تتحرك مع الهواء، حتى يخيل إلي أنها قد تبتلعني في أي لحظة. ضربتني نسائم هواء لا أدري إن كانت باردة أم ساخنة، كسخونة الحمى التي تلازمني.

 

في بداية خريف أكتوبر، كانت الذكريات تهجم بلا استئذان؛ لتدفئتي، لكنها الآن تأتي لتحرق روحي. 

 

 “سعد، سعد، هيا يا أسدي، تعال لنأكل البطاطا المشوية والكستناء.” كان صوت أبي الحنون يصدح، سمفونية تملأ القلب بجرعة من السعادة ودفء الحياة. 

 

صعدت على سطح منزلنا، حيث كان بريق النجوم يغمر السماء، وتفوح منه رائحة الأزهار والورود العطرة، كانت أمي وأبي وأخي حمزة وأختي عائشة يجلسون على حصيرة مزخرفة بنقوش تراثية فلسطينية عتيقة. أحاطنا أبي، ليس بذراعيه، بل بطوق من الحنان فكنا لا نعرف للخوف معنى. 

 

قال أبي: “سعد، قبل أن نروي قصة اليوم، هيا، تمنى أمنية.” 

 

في كل جمعة، كنا نتسامر ونحكي القصص، وكل منا يتمنى أمنية للخريف القادم. كان أبي دائمًا يقول لي: “أتمنى أن تكون مثل سعد بن معاذ.”

 

أغمضت عيني واستنشقت رائحة البطاطا والكستناء المشوية، مع هواء أكتوبر، ودفء أبي وأمي. 

 

فتحت عيناي وقلت: “لقد تمنيت.” وقبل أن أكمل، عم الأرجاء صوت انفجارات مدوية. لا أتذكر سوى صوت أبي: “سعد، احمِ إخوتك….احتفظ بالمفتاح.” كان آخر ما سمعته، ثم عم السكون. 

 

 

كنت غارقًا في الذكريات، حتى شعرت بيد عائشة تلامس كتفي بلطف. “هل تتذكر تلك الليلة؟” 

ساءلت.

 

“وكأنه لم يمر عامين، تساقطت دموعنا. 

في تلك الليلة، قصف منزلنا، واستيقظنا على غمغمات حزينة تعصف بنا، وتخبرنا بفقدان دارنا وأحبائنا.

 

بلغتُ التراقي منا، فصرت أنا وعائشة أجسادًا بلا أرواح. نعيش في خيمة منسية بين أروقة المخيم، حيث تذكرنا كل زاوية فيها بحكايتنا القديمة. هل يبقى لنا روح دون همهمات الصباح من أبي وأمي؟

 

رجفة في قلبي تلازمني طوال أكتوبر. صوت أبي يتردد في أذني ورائحة البطاطا في أنفي. لا أدري هل أكره أكتوبر، أم أحبه لذكرياته مع أبي؟ 

 

مر عامان لم أتمنَّ فيهما أي أمنية، كرهت الأماني؛ فهي آخر ما فعلته قبل أن أفقد أحبتي.

 

قالت لي عائشة: ” أحيِ ذكرى أبي، وتمنَّ، يا سعد. انظر إلى السماء، حيث يبتسم لنا أبي وأمي من بين النجوم.”

 

قلت وسط دموعي دموعي: “أتمنى أن أكون قائدًا، يحكم على أعدائنا كما حكم سعد بن معاذ عليهم في قريظة.”

 

ثم لمسنا المفتاح المعلق حول رقبتنا، وقد طبع عليه اسمنا. علقه أبي في أعماقنا منذ كنا صغارًا، وهو يقول: “هذا المفتاح هو عهدنا وحقنا في العودة…. احفظوه جيدًا.”