مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نفسي التي لا تعرف الرحيل بقلم مريم جمال

أمسِكُ القلمَ وأخافُ أن أنظرَ إلى الورق، كأنَّهُ مرآةٌ تُظهرُ كلَّ ما أخفيهُ عن نفسي.

أكتبُ ببطءٍ، كأنِّي أخطُّ وصيتي الأخيرة، وأنا لستُ إلا فتاةً في أول حياتها، تحملُ من الأسئلةِ ما يثقلُ كاهلَ الجبال.

في الصباح، أسمعُ صوتَ أمِّي تُناديني: “انهضي، الحياةُ لا تنتظرُ أحداً”، فأفتحُ عينيِّ كمن يُقلّبُ صفحاتِ كتابٍ مُبلّلٍ بالمطر. أتساءل: ماذا سأفعلُ بهذا اليوم؟ هل سأملؤهُ ضحكاتٍ أم سأتركهُ فارغاً كجرحٍ لم يندمل؟

المدرسةُ، الشارعُ، الأصدقاءُ، الغرفةُ… كلُّ شيءٍ حولي يصرخُ: “أنتِ هنا!”، وأنا أتراجعُ كظلٍّ خائف. أحبُّهم جميعاً، لكنّي أختنقُ أحياناً. كأنّني واقفةٌ في محطةِ قطارٍ، والجميعُ يحملُ حقائبَهم إلا أنا، لا أعرفُ إلى أينَ أذهب، ولا من سيفتقدني لو غبتُ

في الليل، حينَ ينطفئُ الضوءُ، أتحوّلُ إلى شاعرةٍ تخلطُ الأحزانَ بالنجوم. أغمضُ عينيِّ وأسافرُ إلى أماكنَ لم أزرها بعد: شواطئُ لا تُلامسُها الأقدام، غاباتٌ تهمسُ بأسماءِ العاشقين، مدنٌ تُضاءُ بقصصِ الغرباء. هناك، لا أحدَ يسألني: “ماذا ستصبحينَ في المستقبل؟”، لا أحدَ يهمسُ

أحياناً، أبكي. دموعي لا تصنعُ صوتاً، لكنّها تتركُ آثاراً على الوسادةِ كخريطةٍ لوطنٍ فقدتهُ. لا أعرفُ لماذا أبكي، ربما لأنّني أتذكّرُ طفولتي التي هربتْ منّي، أو لأنّني أخشى أن يكبرَ قلبي قبلَ أوانهِ.

اليوم، قررتُ أن أكونَ شجاعة. وقفتُ أمامَ المرآةِ وقلتُ: “أنتِ جميلةٌ بما يكفي”. كتبتُ قائمةً بأحلامي الصغيرة: أريدُ أن أتعلمَ العزفَ على البيانو، أن أزرعَ وردةً في شرفةِ غرفتي، أن أسافرَ إلى مكانٍ لا يعرفُ أحدٌ فيهِ اسمي.

ربما لن أكونُ الأميرةَ التي قرأتُ عنها في الكتب، لكنّي سأكونُ بطلةَ قصّتي. سأتعثّرُ، سأسقطُ، لكنّي سأمسكُ بيدِ نفسي كلَّ مرّةٍ وأقولُ: “قفي، لم ينتهِ الأمرُ بعد

لأن الكونُ لا يعرفُني، لكنّي أعرفُ شيئاً واحداً أنا هنا، أكتبُ، أتنفّسُ، أحلمُ. وهذا يكفي.