مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

نحن متصلون… ولكن بمن؟ بقلم الكاتب هانى الميهى

نحن متصلون… ولكن بمن؟
الكاتب هانى الميهى

الفصل الاول
السر

قد يكون أسهل شىء فى هذا العصر أن تصل إلى الناس، وأصعب شىء أن تصل إلى إنسان.


أحيانًا أنظر إلى وجوه الناس فى المقاهى، فلا أجد أحدًا وحيدًا، ومع ذلك أشعر أن الوحدة تملأ المكان.

يجلس أربعة حول طاولة واحدة، لكن لكل واحد منهم عالم آخر بين يديه. تتحرك الأصابع أكثر مما تتحرك العيون، وتصل الرسائل أسرع مما تصل المشاعر.

أفكر طويلًا فى هذه المفارقة.

كيف استطاع الإنسان أن يختصر المسافات بين القارات، بينما اتسعت المسافة بين قلبين يجلسان على الأريكة نفسها؟

كنا نظن أن الاتصال سيقضى على العزلة.

لكنه لم يفعل.

لقد غيَّر شكلها فقط.

كانت العزلة يومًا أن تبقى بلا أحد.

أما اليوم، فقد تكون محاطًا بالجميع… ولا يشعر بك أحد.

صرنا نعرف أخبار الناس أكثر مما نعرف أحوالهم.

نعرف أين سافروا، وماذا أكلوا، وأين التُقطت صورهم.

لكننا لا نعرف متى انكسروا.

ولا متى احتاجوا إلى كلمة.

ولا متى بكى أحدهم فى غرفة لا تدخلها الكاميرا.

لقد أصبحت الحياة تُبث، لكنها لم تعد تُعاش بالقدر نفسه.

وأصبح الإنسان يطمئن إلى وجود الآخرين على الشاشة، حتى لو غابوا عن قلبه.

أخشى أن تكون المشكلة الحقيقية ليست فى كثرة الاتصال…

بل فى أننا استبدلنا الحضور بالإشارة، واللقاء بالإشعار، والدفء الإنسانى بإثبات أننا ما زلنا موجودين.

فالوجود ليس أن يراك الناس.

الوجود الحقيقى…

أن يشعر بك إنسان، حتى لو لم يكتب لك رسالة واحدة.

وربما لهذا السبب، كلما ازداد العالم ضجيجًا، ازداد قلب الإنسان بحثًا عن لحظة صادقة، يجلس فيها أمام وجه يعرفه، لا أمام شاشة تعرف اسمه.


رسالة الفصل

ليست كل وسائل الاتصال قادرة على أن تصنع قربًا، فالقرب الحقيقى يبدأ حين يلتقى قلبان، لا حين تتصل شبكتان.

تمهيد الفصل الثانى

متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك… دون أن تقاطعك شاشة، أو إشعار، أو رغبة فى الهروب من الصمت؟