كتبت: أماني سعيد.
هذا أنا ذا، أخطّ إليك ما استقر في جوف الفؤاد، ويزدحم في الصدر من لوعة الهوى. قد اعتزلتُ الناس في هذه الساعات المتأخرة من الليل، ووقفتُ بجانب شجرٍ باسقٍ، وقد انتصف ليلُنا، ووالله ما أُحب الليل إلا حباً لكِ، فكلاكما سيّدي ومهوى فؤادي.
وإني لأذكرُ مَجْلِسي هذا المساء، على مقعدٍ في ركنٍ قصيٍّ، مع رفقةٍ من الخلان، وقد انشغلنا بالحديث، وما عليّ من شأنهم أو قولهم. بيد أن لحظةً سُفِرتْ فيها أسمكِ على ألسنتهم، فكدتُ أُصرع من شدة الوجيب! حبسَ الزمانُ أنفاسه، ولبثَ قلبي يخفقُ كأنه طيرٌ مذبوحٌ، يريدُ أن يطيرَ من بين أضلاعي ليجوبَ الآفاقَ في طلبكِ. لقد ازدادَ خفقانُه حتى بلغَ مئتيَ خفقةٍ في الدقيقة الواحدة! وغابَتْ عن مسامعي كلُّ الأصواتِ والضجيجِ، ولم يبقَ إلا ذكراكِ التي تسكنُ فؤادي.
أذكري يا حبيبتي لحظةَ الفراقِ التي طوتْ أيامنا؟ فواللهِ، ما عدتُ أنا ذاكَ الفتى منذُ ذلك الحين! غريبٌ أنا في أرضي، وحيدٌ في دنياي، فبعدكِ غربةٌ لا تنتهي، وقربكِ هو كلُّ الوجودِ! أأنسيتِ من أكونُ؟ ذاكَ الشابُّ الطيبُ الذي كانَ بشوشَ الوجهِ، أصبحَ ثائرَ الطبعِ لأتفهِ الأسبابِ. وابتساماتي التي لم تُفارقْ محيّايَ يوماً، لم تَشُقَّ وجهي حتى نصفَ بسمةٍ تُهَوِّنُ عليَّ أيامي. وعينايَ، اللتانِ لم تَعرِفَا الدمعَ قطُّ، تفيضانِ شوقاً في كلِّ آنٍ وحينٍ.
لقد استحضرتْ ذاكرتي الآن مشاهدَ جمعتني بكِ، حين كنتِ رفيقتي ورفيقةَ دربي، ودعيني أُحدّثكِ عنها من منظوري أنا:
على شاطئِ البحرِ
أتذكرينَ يا روحي جلوسكِ على المقعدِ أمامَ البحرِ؟ عيناكِ ترمقانِ أفقَه الذي لا ينتهي، وهما تُشرقانِ بالأملِ، وابتسامةٌ عذبةٌ تغمرُ محياكِ. كنتِ تشعّينَ نوراً يبعثُ الحياةَ في نفسي، ويُحيي فيَّ الأملَ والسعادةَ. كم أشتاقُ لتلكَ اللحظةِ التي نلتقي فيها هناكَ، حيثُ تصفو الأجواءُ، وتتعانقُ الأمواجُ معَ السماءِ!
كنتُ أراقبكِ بشغفٍ، كما هي عادتي دائماً. ثم دنوتُ وجلستُ إلى جواركِ، وواللهِ لتَعلَمي أن تلكَ اللحظةَ كانتْ أسعدَ لحظاتِ العمرِ قاطبةً. لمستُ يدكِ وقبّلتُها، وما كانَ ذلكَ إلا امتنانٌ لنظرةِ عينكِ وابتسامةِ ثغركِ. ما أروعَ صنعَ الخالقِ لكِ يا كلَّ الخلقِ في عيني!
على الجدارِ الأبيضِ
وعلى ذاكَ الجدارِ الأبيضِ، أتذكرينَ سيرنا بجوارهِ، وحديثنا الذي كانَ يتسربُ صداهُ ببطءٍ إلى أذنيّ، كأنه يهمسُ باسمكِ بشغفٍ؟ فكانَ قلبي يتلبدُ رقةً وبهجةً. وفي كلِّ خطوةٍ أخطوها في شوارعِ ذاكَ الحيِّ الذي يقبعُ بجوارِ داركِ، يرافقني الشوقُ واللهفةُ لإعادةِ تلكَ الأوقاتِ الغوالي. لا أستطيعُ التوقفَ عن تخيّلكِ تتجاوزينَ الناسَ وتأتينَ إلى جانبي بخطواتٍ لطيفةٍ وعذبةٍ، ونتماشى سوياً معَ كلِّ غروبِ شمسٍ.
وأخيراً، أفاقتني هزةٌ من شرودي، حين لمسَ أحدهم كتفي قائلاً: “أينَ سرحتَ يا فتى؟” فالتفتُّ إليهم شاحبَ الوجهِ، مأخوذَ الأنفاسِ، مدمعَ العينينِ. ثم اعتدلتُ في مقعدي، وهببتُ واقفاً، وودّعتهم بحنانٍ قائلاً: “دمتم في رعايةِ اللهِ”. ومضيتُ أتمشى بجانبِ أشجارِ المنطقةِ، وإني لأعلمُ كم تحبينَ الأشجارَ. وعزمتُ على أن أُراسلكِ في أقربِ حينٍ لنعودَ كما كنا. وها أنا ذا أكتبُ إليكِ عاشقاً ووالهاً، وسأختمُ كلامي داعياً أن نلتقي قريباً في أطيبِ حالٍ.
وداعاً يا مهجةَ الفؤاد…






المزيد
على هامش الروح: بقلم: سعاد الصادق
الإعلام رسالة وعي وصوت الحقيقة
قلبٌ مليءٌ نورًا