مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من رحم المعاناة

Img 20240705 Wa0001

 

 

كتبت:سحر الحاج

رجفة خفيفة اجتاحتها تعض شفتها السفلى بأسى مطرقة الرأس تقول بخفوت:

«كتب علي الشقاء والعيش بين الطُرقات، هذا هو الزمن كفيلُ بأن ندفع ثمن ذنب لم يكن لنا يدٌ فيه»

أطربت أنفاسه وقال بخشونة: 

«لكل منا ماضي ليس له يدٌ فيه، ولكن نظل ندفع ثمنه حتى أخر نفس يخرج من بين ضلوعنا»

غمامة أظلمت عينيها، حتى اقترب لونهما للرمادي، لا حياة فيهما ولا تعبير أعين أعياها الوجع والغدر والخوف من المجهول، همست بفتورٍ قاتل بعد صمت طويل تنظر للفراغ حولها:

«لأننا خرجنا من رحم الوجع..»

 

***********

“دار الرحمة لرعاية الأيتام”

مع غروب الشمس وآخر خيط من شفق السماء الأحمر، فتاة ثَلاثِنِية سمراء اللون ذات عيون بندقية جميلة، شعر بلون سواد الليل نحيفة القوام، تغطي وجهها بوشاحٍ أحمر، تحمل سلة صغيرة تسير على جنبات الطريق خائفة متأنية في تقدمها؛ وكأنها تخاف أن يراها أحد، أسرعت قليلة في خطواتها حتى وقفت أمام بناية ضخمة لها باب خشبي كبير من الأبنوس الأسود، ترفع رأسها تمتم بخفوت:

«الرحمة لرعاية الأيتام… لا بأس»

وضعت السلة ببطء وركضت مهرولة بسرعة وتختفي بين أزقة الابنيه، فتح حارس الدار البوابة عندما، سمع صوت بكاء صغير، يأتي من بعيد، تلفت يمينه ويساره لم يرى أحد، غير سلة صغيرة تحمل بداخلها فتاة صغيرة حِنطيةُ اللون، هُلع الحارس وركض ينادي على مربية الميتم، أسرعت المربية ذات الخمسين عامًا وهي تمسك بحافة نظارتها تعدل من وضعها وترفع بيديها الأخرى جانب ثوبها الثقيل لتخفف من سيرها، ومعها إحدى المعلمات.. وقفتا مع الحارس أمام تلك السلة الصغير، ركعت المربية “ماريا” على ركبتيها قرب الصغير همست بخفوت:

«أُم بلا قلب، بلا رحمة لماذا فعلت هذا الفعل المشين؟»

إقتربت الأخرى تدنو تحمل الصغير الباكي، بعد أن كفكفت عبرة هاربة من مقلتيها، كما تمنت لو تصبح أُمً تحمل طفلها بين أحشائها ليكبر ويلهو ويلعب معها طفل يحمل اسمها يؤانس وحشتها، و يسامرها الليالي، هزت رأسها طاردة شردوها للحظات، ضمت الصغير نحو صدرها تشتم رائحته الفريدة كم تعشق تلك الرائحة، هدأ الصغير عن البكاء، طرقت تنظر إلى المربية “ماريا” وهي تبعثر محتويات السلة وكأنها تبحث عن شيء مهم، هتفت قائلة:

«وجدتها أخيرًا وكأنني كنت أعلم بوجودها».

قضبت المعلمة “إيلن” جبينها تتسأل بخوف وكأنها تخشى ما جال بخاطرها: «ماذا هناك؟ هل هو معروف النسب!»

أمسكت “ماريا” نظارتها تعدل من وضعها قبل أن تفتح الورقة المطوية لتقرأ ما بداخلها: « هذه طفلتي اسميتها “كنز” لا تغيرو اسمها أرجوكم سأعود لأخذها يوم ما، أعدكم بذلك فقط اهتموا بها لحين عودتي».

 دلفت المربية تحمل السلة وخلفها “إيلن” حاملة الصغيرة بين أحضانها لا ترغب في تركها أبدًا، منذ أن جاءت للعمل هنا قبل ثلاثة أشهر لم تجد طفل بهذا العمر أو كما تحب أن تقول هي بهذا الحجم الصغير، قامت المربية بمهمتها كمديرة للميتم بتدوين ملف للصغيرة “كنز” وأصبحت منذ تلك اللحظة التي وضعت فيها أمام بوابة الميتم واحدة من الدار… 

 تمُر الأيام والليالي على “كنز” بواقعها الأليم، نالت من ويلات الزمن ما يكسر الروح دهرً وعمرًا، كانت مثل بذرة صغيرة تنبُتُ كل يوم في ظروف تأبى الانصياع، كُتب عليها أن تعاني هكذا، لم تكن الحياة في الدار سليمة وهادئة؛ بل كانت جحيم لا مهرب منه، كل موظف داخل الدار لا يحمل ذرة ضمير أو عطف تجاه هؤلاء الصغار، الذين جارت عليهم الأيام، نالوا من الضرب والترقيع والشتائم بأسوا ما يوجع القلب، لا رأفة ولا رحمة ترجى، كان مجرد اسم فرض على الدار لتعرف به! لم يكن دار رحمة ابدًا، هل كُتب عليهم التشرد؟ أم تلك هي الحال مع كل دار! يطلقون أطفالها نهاراً لتسول في الطرقات، وبين البنايات الضخمة…

لابد للحال أن يتغير، وأن تجري الرياح بما شاء الإله لها. لكن كيف ذلك؟ هل من سبيل!

 

(بعد عشرة أعوام) 

فتاة شابة يافعة جميلة، ذات قوام نحيف عيناها بلون حبات البندق، شعر كستنائي يصل إلى نهاية خصرها، لها بشرة حنطية اللون أتمت عامها الثامن عشر، بين رفاقها في الدار وتلك المعلمة الحنون “إيلن” في العقد الرابع من عمرها، تظهر على قسمات وجهها البشاشة والراحة، لها عينان مرحتان بؤبؤها كسواد الليل، جاءت من بلاد الغرب للعمل هنا كمعلمة مساعدة بالدار، أحبت الصغيرة “غسق” وكأنها أمها التي ولدتها، مكثت ترعاها مع بقية الصغار بحبٍ وحنان، غلبت عليها مخاوفها أن يأتي ذلك اليوم وتعود أُمٍ “كنز” تنتشلها من بين أحضانها، لم تحظى بأن تكون أم بحق لم تذوق شعور ذلك البطن المنتفخ، وبداخله قطعة من الروح قبل القلب، أن تكون لك قرة عين تتكئ عليها على مرٍ السنين، إفتقدت هذا الشعور ولكن مشاعرها وحنانها الذي خبأته لطفلها بثته لصغيرتها “كنز” وها هي تصارع المرض لتحظى بفرصة أخرى حتى لا تتشردَّ تلك الفتاة، ولكن لم يحالفها القدر هذه المرة، فسكنت روحها وطاب ثراها، لتترك “غسق” لمشيئة الله يسيرها كيف يشاء…

  كان عليها ترك الميتم، لأن ذلك من ضمن قوانينه يمكث فيه حتى عمر الثامن عشر، وفي تلك السنوات قد تعلمت حتى مرحلة الثانوية العامة؛ ولكن بعدها سيترك كل منهم هذه الدار التي جمعتهم، لتبدأ رحلة البحث عن العمل، عِبرةٌ حبيسة انزلقت على وجنتيها، افتقدت ذلك الأمان الذي كانت تشعر به، تلك الأيدي الحانية التي تربت على ظهرها كل ليلة، ذلك الحضن الذي تختبئ فيه من صراخ المربية، تفتقد “إيلن” التي كانت تناديها بأمي، تبتسم لها الأخرى لقولها ذلك؛ حتى صُدمت بذلك اليوم حينما مرضت “إيلن” مرضًا شديدٍ، فعجز الأطباء عن معالجتها، لتفراقها للأبد.

حزمت أمتعتها تاركة خلفها ذكريات لا تنسى ولا تغيب عن البال؛ لكنها مؤلمة جدًا أرهقتها السنين التي تمر ببطء مخيف، يجول بخاطرها سؤال ملازم لها إلى أين ستذهب؟ وهل تجد عملًا لها! تفتلت بين الشوارع والأزقة الضيقة، تسابق الظل لتحتمي به من أشعة الشمس الحارقة، جلست تسريح قليلًا على إحدى مجالس انتظار حافلات النقل، أخرجت من حقيبتها قنينة ماءٍ قد حصلت عليه قبل خروجها من الدار، ارتوت منه بعض الشيء؛ ثم همت بفتح ورقة أخرجتها من جيب سترتها، تمسكها جيدًا وكأنها تخشى أن يقتلعها الهواء من يدها، فتحت الورق تحفظ ما كتب فيها جيدًا قبل أن تنهض متجهة إلى حيثُ وجهتها…

ضغطت على زر جرس البيت الفخم الذي وقفت قبالته بابه الخشبي الأبنوسي الكبير، بدت وكأنها في حلم هل حقًا هذا بيتُ أم هو قصر أحد ملوك الحكايات، لم تمضي إلا لحظات وفتح الباب لتنظر إلى رجلُ عجوز ترك الزمن تجاعيد باقية على وجهه، وقف ينظر إليها بريبة غريبة تنحنحت تسعل بخفوت متوترة، هذه أول مرة في حياتها تدخل إلى بيت غريب لا تعرف ماذا ينتظرها بداخله، طيلة السنوات التي قضتها في دار الرعاية، كانت كفيلة بأن تجعلها حبيسة بل سجينة عن عالم لا تعرف عنه الكثير، يكفيها ما نالته داخل الدار، زمت شفتيها تهمس بخوف:

«لقد… لقد… طلب مني المجيء لهذا العنوان» فردت كفها لتظهر ورقة العنوان ثم تمدها إلى السيد العجوز، رحب بها بعد فترة من الزمن يتطلع إليها فيه، مال ناحية الباب قليلًا ليقول بجفاءٍ: «هياا أدخلى..»

ولكنها بقيتَ مكانها لا تبرحه، مطرقة رأسها بتوتر نظر إليه متوجسًا لينطق بصوت خشن أرعبها قليلًا: «قلت تفضلي بالدخول». ابتلعت ريقها بصعوبة تقول بخفوت يشبه الهمس: «هل السيدة موجودة بالداخل؟ إذا لم تكن متواجدة سأنتظرها هنا بالخارج اعذرني» لم تعتاد التحدث مع الغرباء، لا تعلم شيء عن هذا العالم تهاب الوقوف والسير، لا تدري كيف يتخلى الدار عنهم بعد كل تلك السنوات، كيف ستعيش إن لم تجد عملًا تأكل منه! وحائط يأويها من ذئاب البشر، كيف سيكون حالها بعد هذا اليوم؟ أفاقت من تساؤلاتها على صوته الهادر بنفاذ صبر: «أين ستذهب في هذا الوقت؟ هيا تفضلي وإلا أغلقت الباب في وجهك..» 

تقدمت عدة خطوات يرشدها إلى مكان السيدة “بلقيس” وقفت تحيها بعد أن أمعنت النظر إليها مليئًا، فتاة ذات وجه ملائكي وعينان بلون البندق واسعتان، تبدو وديعة وفي ذات الوقت متحفظة بعيدة عن هذا العالم الخارجي، قالت وهي تمعن النظر في عينيها «هل أنتي أحدى خريجات دار الرعاية؟!»، أومأت “كنز” برأسها وهي ترتعب من وجه تلك المرأة التي تقف أمامها، يبدو أنها في العقد الخامس من عمرها، ملامحها جامدة مثل الجليد، تبتسم خبثُ وشراسة، تكسوا الشعيرات البيضاء رأسها، تملك بشرة بيضاء ناعمة، عيناها مثل أعين صقر جارح، لم ترتاح لها “غسق” فجأة مدت يدها بالورق قائلة بتلعثم: «بعثني دار رعاية الرحمة إلى هنا، هذه أعطتني إياها المعلمة “إيلن” قبل وفاتها بيوم..» ابتلعت غرة خانقة حزينة لتكمل كلامها «أخبرتني أنكِ صديقتها، وتساعدين الفتيات بإيجاد عمل لهن.. ولهذا أيتتُ إليكِ»…

أمضت “كنز” ليلتها عند سكن السيدة “بلقيس” بعد أن بحثت لها عن عمل في الغد، ولكن ما لا تعرفه “غسق” أن العمل كان جاهزًا ينتظر من تأتي فقط إليه.. 

 

*********

في اليوم التالي أخذتها السيدة “بلقيس” لمكان عملها الجديد، وصلتا عند بناية غريبة الشكل من عدة طوابق ويحتل الطابق الأرضي محل كبير، تزينه من الخارج أضواء مبهرة في كل مكان، رفعت رأسها يبدو أن المكان يضج بالأنوار وأصوات الموسيقى ترتفع، بهتت “كنز” من هول المكان وتغيرت قسمات وجهها حتى باتت مثل الجليد، وقفت تنظر بخوف للسيدة ثم تحيد نظراتها من حولها، نطقت تقول بتوتر: «هل سأعمل هنا؟» ونظرات عينيها قاتمة، لا حياة فيها، ضحكة عالية أطلقتها السيدة “بلقيس” حتى دمعت عينيها، لتقول بفظاظة: «لقيطة. من تظنين نفسكِ وأنتِ تطرحين هذا السؤال» ثم فجأة قبضة على معصمها بقوة تدفعها أمامها، حتى ترنحت “كنز” قبل أن تقع أرضًا، مغمضة عينيها بكبت تحبس عبراتها عن الانسياب، دنت منها السيدة “بلقيس” تهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى: «ستعملين هنا مطيعة، وكل يوم سيكون لنا حساب لا تنسي ذلك». لم ترفع رأسها وتفتح عينيها، عندما طال صمتها وهي مطرقة رأسها لا تظهر تعابير وجهها، أعادت “بلقيس” تأكيدها لها، وطالعها وجهها فجأة وهي تنظر إليها وغمامة رمادية لا حياة فيها تغطي عينيها، جفلت “بلقيس” للحظة وهي ترى عينيها حابسة دموع تأبى أن تنهمر، طالعتها مليئة ملامح قاسية تحمل خبثً وراء هذه الابتسامة التي لا تفارقها منذ أن أتت إليها، نهضت وهي تنفض الأتربة عن ملابسها البسيطة، تعدل ترتيب وشاحها فوق رأسها، قالت بعد مدة وهي رافعة وجهها بجمود نحوها: «لماذا تفعلين ذلك؟ أتيت إليك فقط لأجد عمل أعيش منه، وليس لأكون عبدة لكِ لأوامرك».. ارتفع حاجباها بذهول لما سمعت لتهبط بيدها بقسوة تصفعها على وجهها.. قائلة بصوتٍ مخيف: «ستندمين على كلامكِ هذا، هل تعلمين من يأتي لهذا المكان؟ أنهم من يستطيعون دهسك بأحذيتهم، دون استطاعتك الكلام». لم ترد عليها اكتفت بالنظر إليها بلا تعبير، نقلت نظراتها لطريق من حولها، يبدو فارغًا في هذا الوقت، انقبض قلبها وهي تمعن النظر في ذلك “البار” كم تمغض مثل هذه الأماكن، يصيبها الرعب والاشمئزاز منها، نطقت بعد تنهيدة طويلة حتى وصلت لأسماع “بلقيس”: «وماذا سأعمل هنا، وسط هذا العالم الغريب» 

لم تجبها لبعض الوقت كانت تفترسها بنظراتها المخيفة، قالت بلا مبالاة: «تقدمين طلب المشروبات للزبائن ليس أكثر»…

بعد أن يئست من “بلقيس” اتجهت إلى عملها تتبعها، وقلبها ينقبض بين أضلعها مستشعرًا عدم الارتياح، 

كان المكان يضج الفتيات العاملات، مظاهر ملابسهن تشعرها بالغثيان، وقفت صامتة تتلقى تعليمات العمل من صاحب المكان، تنظر إلى “بلقيس” وهي تأخذ عدة أوراق مالية وجهها يكاد يصرخ فرحًا بها، سألت نفسها.. هل ابتعتني؟ من أجل هذه الأوراق! كيف سأعمل هنا؟؟ أفاقت من شرودها على صوتها تقول لها:«لاتخافي لم أبيعك بعد، وهذا ليس إلا ثمن مجهودي في توفير موظفة لهم». صمتت قليلًا تبتعد عنها لتحادث الرجل الضخم الجالس خلف طاولته، عيناه محمرتان دقيقتان مثل عيني الصقر، يطرق بقلمه على الطاولة ببطء ناظرًا نحوها، يومئ برأسه كلما قالت له شيء، فجأة تجمدت ملامحه وعبس قليلًا، ليبتسم ابتسامة مكر وخبث رأته عيناها، عادت إليها تخبرها أنها سترتدى ملابس خاصة بالعمل ولا داعي لذلك الوشاح مجددًا، رفضت بإصرار أنها لن تتخلى عن وشاحها أبدًا، وإن تركتُ العمل هنا، أومأت بنفاذ صبر بعد أن أكدت عليها أنها ستقيم معها في بيتها هذه الفترة، لحين أن تجد مكان مناسب.. تزمرت “كنز” بفتور تومئ برأسها بهدوء..

مرت أيام عدة وهي تعمل في تقديم الطلبات، تجتمع عندها الأنظار كل ليلة، وكأنها حورية ساحرة، كل يوم ينتهي دوامها وهي تشعر بأنها على حافة التقيؤ، مكان مشبوه أناس لا ترى على وجوههم الاحترام، فتيات لا خجل لهن ولا إستحياء، الجميع يظهرون إلى مظهرها بغرابة واضحة على وجوهم المتسأئلة! وكأنهم يسألونها لماذا تدري وشاح على رأسك؟! ولماذا ملابسك محتشمة؟ لا مكان لكِ بيننا، أسئلة كثيرة تراها بأعينهم كل يوم يمر عليها وهي تندب حظها، وإلى ما ألت إليه شعور بالقهر والازدراء ينتابها، تصرخ صامته لا تقوى على ترك العمل هنا وإلا سترجع كما كان حالها قبل عشرة أعوام، إلى تلك الحياة البائسه التسول في الطٌرقات، كما تؤلمها تلك الذكرى التي عاشتها في صغرها، هل مكتوبٌ لها أن تعيش هكذا طوال حياتها؟! لماذا كُتب لها هذا القدر؟ لا أُمَ ولا أب! إذا ما هو موقعها في هذه الحياة غير التسول والتشرد في الشوارع منذ صغرها؟ ألا تستحق أن يكون لها أهل يحمونا من ذئاب البشر التي تترصدها دوما! 

شعورها بالوجع والوحدة يكاد يقتلها، لا خيار لها الآن إلا الهروب من هذا المستنقع المشبوه، لا سبيل إلا لتعود للبحث من جديد.. عزمت على ترك العمل اليوم بعد أن تعود لمستضيفتها بلقيس وتخبرها بذلك؛ لكن طيلة أيامها التي قضتها هنا معها تتسأل لماذا تفعل بها ذلك؟ هل المال هو السبب! أم كان أمرًا متفق عليه؟ جفلت بخوف عندما سمعت صوتُه القوي يخبرها بإحضار طلب لطاولته فمعه ضيف مهم، استفزها تصرفه الذي لا يتركه منذ أن عملت عنده، وهو يفزعها بصوته من خلفها مثل العفريت، تنهدت بصوتٍ مسموع تمتمت بخفوت:«عفريت كل يوم أسوا من قبله، سأجن إن لم أرحل من هناا». كانت أصوات الموسيقى صاخبًا جدًا مما جعلها تشعر بصداع حاد، وهي تتقدم ببطء لتضع الأكواب على الطاولة، فجأة أقتحم رجال الشرطة المكان، والجميع يصرخ ويهرول إلى إي مخبأ يجده، رأيت المكان من حولها يعم برجال مسلحين، يقبضون عليهم واحدًا واحد، أوقعت الصينية أرضًا مرتجفة بشدة، وهي ترى ذلك واحد من رجال الشرطة يتقدم نحوها يهددها بالتوقف وعدم الهرب، وقفت مكانها متجمدة لا تقوى على الحركة، أمسك بمعصم يدها يجرها بسرعة خشية أن تفلت منه، إلا أنه قبل أن يتحرك كانت قد فقدت وعيها تمامًا. 

 

                        ********

تأفف بفتور ناظرًا حوله، لا بد أن هذا العمل سيفقده شبابه ليصبح كهلًا تؤلمه قدماه من كثرة التحرك، حتى مناوبته الليلية أصبحت ثقيلةً عليه هذه الأيام، لا يحلو لمدير القسم إلا أن يأمرهم وهو جالس في مقعده بلا فائدة ترجى، اليوم سينام داخل سيارته بالتأكيد، نظر على ناحية الرصيف المقابل، ليهمس محدثًا نفسه ناظرًا ناحيتهم بعطف: «كثُرَ المشردون هذه الأيام.. والبعض يتسول ليعيش.. لماذا يحدث هذا؟!». 

امتعضه وجهه بشدة وهو يرى فتيات في مقتبل العمر يتسول بين أصحاب السيارات الفاخرة التي ينتظر أصحابها، إشارات المرور الحمراء، ليستغل كل متسول تلك الفرصة، ليمد يده طالبًا ما يساعده، وأخريات يقفن بلباقة منتظرات سيارات أصحاب النفوس الضعيفة، متخفيات بين المارة والمتسولين، وياااا له من تسول حقير يتصفن به…

تجمدت ملامحه بقسوة برقة عيناه ببريق غامض، همس لنفسه قبل أن ينزل من سيارته: «نعم أنها هي تلك الفتاة… لا أنسى ملامحها أبدًا»… اتجه نحوها مسرعًا وهو يرى رجل يجرها خلفه، وهي تحاول التملص منه صارخة بكبت، فجأة قفز ليقبض على ياقة قمصه ويضربه بقمبضة يده بقوة على وجهه؛ ليسقط أرضًا مذهول يقاوم الدوار الذي أصابه.. جذبه بقوة لينهض مترنحًا يقول بشراسة من بين أسنانه: «ابتعد عنها إيه الوقح…» رضبًا اياه مرة أخرى، كان يلهث غاضبًا إلتفت ينظر إليها يقول بجمود: «هل أنتي بخير؟!» كانت تنظر له بملامح جامدة لم تنطق فقد أومأت برأسها بهدوء لتهتف فجأة مكتفة يديها أمام صدرها: «ابتعد عنه أتركه حالًا من قال لك أني طلبت مساعدتك»

اهتزت عضلة فكة وهو ينظر إليها نظرة اجفلتها.. ابتعد الرجل منه بقوة متمالك نفسه، يتوعدها قائلًا: «سأخبر السيدة بلقيس ولن ترحمك بعد اليوم».. وانطلق مسرعًا وهو يهمهم بكلمات لم تسمعها..

وافقت أن ترافقه على مضض عندما لم تجد مهربًا أخر من تلك البلقيس، تنهدت بتعبٍ ناظرة من نافذة السيارة للطريق الطويل، إلتفت إليه فجأة قائلة: «ماذا تريد من فتاة متسوله؟»

إلقى عليها نظرة بطرف عينيه، لم يرد عليها تابع قيادته ناظرًا أمامه بوجه صلب، تذكر ذلك اليوم عندما داهموا البار ليلًا، كما كانت ترتجف بشدة لم يراى مثل جمالها من قبل، احتشامها وسط ذلك المستنقع القذر هو مالم يفهمه لماذا كانت هناك؟ عندما وقعت فاقدة وعيها، نسى “علاء” مهمته التي جاء من أجلها، حملها يركض بها إلى الخارج يضعها على مقاعد السيارة الخلفية، مضت فترة حتى راها تستعيد وعيها، كانت شاردة وكأنها في عالم أخر، اضطر إلى أخذها إلى مركز التحقيق، لم يطل مكُثها هناك، بعد التحقيق معها لم يتبين شيء عليها، كانت حديثة العمل هناك كما فهم من صاحب البار، وأنها مجرد متسول قدمت من دار رعاية منذ أيام، بعد أن تم التحقيق معه تركها ترحل بعد أن مضت على عدة أوراق، اسمها “كنز” هكذا نطق به في قلبه عندما قرأ توقيعها، كانت تظن أنها نهايتها وستنتهي حياتها بالسجن بدون ذنب ارتكبته، تبدد الخوف من قسمات وجهها قليلًا، خرجت من المركز تاركة خلفها، من أقسم على إيجادها ليخرجها من تلك البئر التي أوقعت نفسها فيها.. لم يكن يظن أنه سيراها اليوم وهي بين.. أخذ تنهيدة طويلة.. يطرد ما تأكده عيناه، بل ما يؤكده الواقع.. نعم لقد راها اليوم متسولة تبحث عن مساعدة، وسط مضايقات المارة وقلة حياء منهم.. مسح “علاء” وجهه براحة يده قائلًا بشرود: «اسمك كنز»

لم تلين ملامحها ولكن قالت بخفوت: «يقال كل شخص له نصيب من اسمه، ولكني لا أجد نصيب يستحق هذا الاسم» 

لم يجبها ظل صامت، يفكر في ما هو سبب تعاستها تلك 

أوقف سيارته على طريق شاطئ البحر، نزل مرتجلة منها لم يلتفت لها ولم يطلب منها النزول، وقف يتأمل البحر متكئ على مقدمة السيارة يدخل يديه على جيبي بناطله، مضت فترة ثم خرجت لحيث يقف، قالت بجمود: «ماذا تريد مني؟ أرجعني إلى مكاني من فضلك». اتجه ناحيتها قائلًا: «كنت اراقبك منذ فترة بعد مداهمة البار، أرى في وجهك قصص كثيرة مؤلمة لا أريد معرفتها فقد أريد سبب ذلك! ولماذا خرجتي من دار الرعاية متسولة»، فقرت فمها متفاجأة من جرأة هذا الشاب كيف يطلب منها الافصاح عن كينونتها، وهي لم تره سوى مرتين كما تذكر، 

ابتسم “علاء” عندما احس بذهولها قائلًا: «أخبرني صاحب البر أثناء التحقيق عن هويتك ومن أين جئتي…» 

نظرت تتأمل أمواج البحر الهادئة لتهمس قائلة: «ولدتني وتركتني لأناس أخرين، أكبر كل يوم في مكان لا يحمل ذرة رحمة واحدة، تعلمت التسول منذ أن كنت في العاشرة، هكذا هي دارنا لا مبيت ولا طعام عشاء حتى تسول ونأتي بالمال، وإلا سننال العاقب الكافي اتسأل دوما لماذا جئت على هذه الحياة؟ لا هوية حقيقية لي، لماذا تركوني لحياة ملئية بالوحوش البشرية والذئاب التي لا ترحم» صمتت تخفي دمعة حبيسة تنساب على وجنتها، قالت باختناق: «الدار مقرفة والخارج مقرف، وحتى بلقيس كانت معي مقرفة، تبيعني من أجل المال، هدمت صداقتها مع المرأة الوحيدة التي عطفت علي في حياتي، عندما ظنتها ستكون على قدر المحبة والصداقة، ولكن كانت الوجع والمعانأة التي أعيشها الآن»

همس بصوت أجش: 

«ستعود أمك يوم ما.. وستعود معها الحياة بلا معانأة ووجع»

 

رجفة خفيفة اجتاحتها تعض شفتها بأسى مطرقة الرأس تقول بخفوت:

«كتب علي الشقاء والعيش بين الطُرقات، هذا هو الزمن كفيلُ بأن ندفع ثمن ذنب لم يكن لنا يدٌ فيه»

أطربت أنفاسه وقال بخشونة: 

«لكل منا ماضي ليس له يدٌ فيه، ولكن نظل ندفع ثمنه حتى أخر نفس يخرج من بين ضلوعنا»

غمامة أظلمت عينيها، حتى اقترب لونهما للرمادي، لا حياة فيهما ولا تعبير أعين أعياها الوجع والغدر والخوف من المجهول، همست بفتورٍ قاتل بعد صمت طويل تنظر للفراغ من حولها:

«لأننا خرجنا من رحم الوجع..».