كتبت: سحر الحاج
(بعد عشرون عامًا)
فتاة شابة يافعة جميلة، ذات قوام نحيف عيناها بلون حبات البندق، شعر كستنائي يصل إلى نهاية خاصرتها، لها بشرة حنطية اللون أتمت عامها العشرون، بين رفاقها في الدار وتلك المعلمة الحنون “إيلن” في العقد الرابع من عمرها، تظهر على قسمات وجهها البشاشة والراحة، لها عينان مرحتان بؤبؤها كسواد الليل، جاءت من بلاد الغرب للعمل هنا كمعلمة مساعدة بالدار، أحبت الصغيرة “غسق” وكأنها أمها التي ولدتها، مكثت ترعاها مع بقية الصغار بحبٍ وحنان، غلبت عليها مخاوفها أن يأتي ذلك اليوم وتعود أُمٍ “غسق” تنتشلها من بين أحضانها، لم تحظى بأن تكون أم بحق لم تذوق شعور ذلك البطن المنتفخ، وبداخله قطعة من الروح قبل القلب، أن تكون لك قرة عين تتكئ عليها على مرٍ السنين، إفتقدت هذا الشعور ولكن مشاعرها وحنانها الذي خبأته لطفلها بثته لصغيرتها “غسق” وها هي تصارع المرض لتحظى بفرصة أخرى حتى لا تتشردَّ تلك الفتاة، ولكن لم يحالفها القدر هذه المرة، فسكنت روحها وطاب ثراها، لتترك “غسق” لمشيئة الله يسيرها كيف يشاء…
كان عليها ترك الميتم، لأن ذلك من ضمن قوانينه يمكث فيه حتى عمر الثامن عشر، وفي تلك السنوات قد تعلمت حتى مرحلة الثانوية العامة؛ ولكن بعدها سيترك كل منهم هذه الدار التي جمعتهم، لتبدأ رحلة البحث عن العمل، عِبرةٌ حبيسة انزلقت على وجنتيها، افتقدت ذلك الأمان الذي كانت تشعر به، تلك الأيدي الحانية التي تربت على ظهرها كل ليلة، ذلك الحضن الذي تختبئ فيه من صراخ المربية، تفتقد “إيلن” التي كانت تناديها بأمي، تبتسم لها الأخرى لقولها ذلك؛ حتى صُدمت بذلك اليوم حينما مرضت “إيلن” مرضًا شديدٍ، فعجز الأطباء عن معالجتها، لتفراقها للأبد.
حزمت أمتعتها تاركة خلفها ذكريات لا تنسى ولا تغيب عن البال، يجول بخاطرها سؤال ملازم لها إلى أين ستذهب؟ وهل تجد عملًا لها! تفتلت بين الشوارع والأزقة الضيقة، تسابق الظل لتحتمي به من أشعة الشمس الحارقة، جلست تسريح قليلًا على إحدى مجالس انتظار حافلات النقل، أخرجت من حقيبتها قنينة ماءٍ قد حصلت عليه قبل خروجها من الدار، ارتوت منه بعض الشيء؛ ثم همت بفتح ورقة أخرجتها من جيب سترتها، تمسكها جيدًا وكأنها تخشى أن يقتلعها الهواء من يدها،
يتتبع…






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق