مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من رحم المشقّة يولد التحوّل بقلم الكاتبة أمل إسماعيل أحمد 

من رحم المشقّة يولد التحوّل

بقلم الكاتبة أمل إسماعيل أحمد 

 

ثَمّة لحظاتٌ في حياة الإنسان لا تشبه ما قبلها، ولا تسمح له بأن يعود بعدها الشخصَ نفسه؛ لحظاتٌ تضيق فيها الطرق، وتثقل الخطوات، وتتراكم التحديات حتى يخيّل إليه أن الحياة قد أغلقت في وجهه أبوابها.

لكنّه لا يعلم أن بعض الأبواب لا تُغلق لتمنعه من الوصول، وإنما تُغلق لتدفعه إلى التحوّل.

 

فما من شيءٍ عظيمٍ يُولد كاملًا منذ بدايته.

 

انظر إلى اليرقة؛ ذلك الكائن الصغير الذي يقضي مرحلةً من حياته في سكونٍ ظاهري داخل الشرنقة، حتى ليخيّل للناظر أن شيئًا لا يحدث. لكن خلف ذلك السكون تجري أعظم مراحل التحوّل؛ إذ يعاد بناء جسدها تدريجيًّا حتى تخرج فراشةً لم تعد تشبه صورتها الأولى، وتصبح قادرةً على التحليق بعدما كانت لا تعرف من العالم إلا الأرض التي زحفت عليها.

 

لم يكن السكون نهايتها، بل كان مخاضًا لبدايتها الجديدة.

 

وكذلك الماس؛ ليس قطعةً من الفحم تحولت ببساطة إلى جوهرة، كما تتداول بعض الحكايات، وإنما يتكوّن طبيعيًّا من الكربون في أعماق الأرض، حيث الضغط والحرارة الهائلان، عبر فترات زمنية طويلة، حتى تتكوّن بلوراته شديدة الصلابة والقيمة.

 

وكذلك اللؤلؤ؛ يبدأ تكوّنه عندما يتعرض المحار لجسمٍ غريب أو مهيّج داخل أنسجته، فيستجيب له بإفراز طبقات متراكمة من مادة تُعرف بعرق اللؤلؤ، حتى يتكوّن ذلك الشيء النفيس الذي يسرّ الناظرين.

 

وكأن الطبيعة تهمس للإنسان في كل مرة:

 

ليست كلُّ مشقّةٍ عقوبة، وليست كلُّ محنةٍ نهاية؛ فبعض الآلام تأتي وفي داخلها مشروعُ ولادة.

 

ولكن ليس معنى ذلك أن كل إنسانٍ يمر بالصعوبات يصبح عظيمًا بالضرورة؛ فالمشقّة وحدها لا تصنع الإنسان، وإنما الذي يصنعه هو كيف يستجيب لها.

 

فقد يمرّ شخصان بالمحنة نفسها؛ فيخرج أحدهما منها أكثر نضجًا، وأقوى عزيمةً، وأعمق فهمًا للحياة، بينما يخرج الآخر مثقلًا باليأس والاستسلام.

 

إن قيمة التحديات ليست في كثرتها وحدها، وإنما في مقدار ما تعلّمه إيّاك، وما تبنيه فيك، وما تدفعك إلى أن تصبح عليه.

 

ولهذا لا أؤمن بأن قدر الإنسان يُقاس بعدد الصعوبات التي مرّ بها فحسب؛ فقد يمرّ الإنسان بجبالٍ من الأزمات ولا يتغيّر، وقد يواجه موقفًا واحدًا صعبًا فيعيد ترتيب حياته كلها.

 

إنما عظمة الإنسان في المسافة التي يقطعها بين الشخص الذي كانه، والشخص الذي اختار أن يصير إليه.

 

قد تكون اليوم في مرحلةٍ لا يفهمها أحد؛ تتعب، وتحاول، وتتأخر نتائجك، وتشعر أن الآخرين يسبقونك، وأنك ما زلت في المكان نفسه. لكن لا تحكم على القصة من فصلٍ لم ينتهِ بعد.

 

فربما كان ما تسميه تأخرًا هو إعدادًا.

وربما كان ما تسميه خسارةً إعادةَ توجيه.

وربما كانت الضغوط التي أثقلت كتفيك هي نفسها التي ستمنحك يومًا صلابةً لم تكن لتعرفها من دونها.

 

لا أحد يرى ما يحدث داخل اليرقة وهي في شرنقتها، ولا أحد يرى الماس وهو يتكوّن في أعماق الأرض، ولا يرى طبقات اللؤلؤ وهي تتراكم في صمت.

 

الأشياء الثمينة لا تصرخ أثناء تشكّلها.

 

ولهذا لا تحتقر المرحلة الصعبة من حياتك لمجرد أنها مؤلمة، ولا تستعجل الخروج منها قبل أن تتعلم ما جاءت لتعلّمك إياه.

 

اختر الطريق الذي يبنيك، لا الطريق الذي يريحك في كل لحظة.

واختر التحدي الذي يوسّع قدرتك، لا الراحة التي تُبقيك في مكانك.

ولا تظن أن الطريق السهل هو دائمًا الطريق الأفضل؛ فبعض الطرق الميسّرة توصلك سريعًا، لكنها لا تصنع منك إنسانًا مختلفًا، بينما قد يأخذك الطريق الشاق وقتًا أطول، لكنه يعيدك إلى نفسك أقوى، وأوعى، وأقدر.

 

فليس المجد في أن تصل دون أن تتعب، بل في أن تصل وقد أصبحت جديرًا بما وصلت إليه.

 

وحين تنظر يومًا إلى الوراء، قد تكتشف أن أكثر مراحل حياتك قسوةً كانت أكثرها صناعةً لك؛ وأن الأيام التي تمنيت أن تنتهي سريعًا كانت هي الأيام التي كانت تُعيد تشكيلك من الداخل.

 

وحينها ستفهم أن الفراشة لم تكن لتخرج كما هي لولا الشرنقة، وأن الماس لم يكن ليكتسب خصائصه النفيسة لولا الظروف العميقة التي تكوّن فيها، وأن اللؤلؤ لم يكن ليتشكل لولا ذلك المهيّج الذي بدأ منه كل شيء.

 

وستفهم شيئًا أعظم:

 

أن الإنسان لا يُمنح قدره كاملًا عند البداية؛ بل يصنع جانبًا كبيرًا من قيمته بما يفعله حين تُختبر إرادته.

 

فإذا وجدت نفسك اليوم أمام طريقٍ صعب، فلا تسأل فقط:

«متى ينتهي هذا؟»

 

بل اسأل:

 

«من سأكون حين ينتهي؟»

 

فربما لم تأتِ هذه المرحلة لتكسرَك،

بل لتخرج منك نسخةً لم تكن لتولد في ظروفٍ أكثر راحة.

 

فلا تخف من نقطة التحوّل؛

فأعظم التحوّلات تبدأ غالبًا من أكثر المراحل التي ظننا أنها ستُنهي كل شيء.

 

وربما يكون ما تعيشه الآن هو تلك المسافة الخفية بين ما كنت عليه، وما كُتب لك أن تصبحه.