مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تصبح أنت صاحب القرار بقلم الكاتب هانى الميهى 

حين تصبح أنت صاحب القرار

 بقلم الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

 

الفصل الخامس عشر والأخير

 

 

 

ربما لم تكن المشكلة يومًا أنك لا تعرف ماذا تريد.

 

ربما كنت تعرف.

 

لكن أصواتًا كثيرة كانت أعلى من صوتك.

 

الخوف يقول: انتظر.

 

الماضى يقول: لا تكرر التجربة.

 

الناس يقولون: ماذا سيقولون عنك؟

 

العائلة تقول: كن كما اعتدناك.

 

العمل يقول: تحمّل.

 

الكبرياء يقول: لا تعتذر.

 

والوحدة تقول: لا تترك أحدًا.

 

وأنت…

 

كنت تسمع الجميع.

 

إلا نفسك.

 

 


 

ثم وصلت إلى هذه اللحظة.

 

ليس لأن كل شيء أصبح واضحًا.

 

بل لأنك اكتشفت شيئًا أهم:

 

أن الوضوح الكامل ليس شرطًا حتى تبدأ فى الاختيار.

 

لن تعرف المستقبل.

 

لن تضمن النتيجة.

 

لن تستطيع إرضاء الجميع.

 

لن تختفى المخاطر.

 

ولن يأتي يوم تستيقظ فيه وقد أصبحت بلا خوف.

 

لكن يمكنك أن تعرف شيئًا واحدًا:

 

من الذى يجب أن يمسك المقود.

 

 


 

ليس المقصود أن تصبح حياتك تحت سيطرتك الكاملة.

 

هذا وهم.

 

هناك أشياء لن تختارها.

 

لم تختر أين ولدت.

 

ولا كل ما حدث لك.

 

ولا كل الأشخاص الذين دخلوا حياتك.

 

ولا كل الخسارات.

 

ولا كل الظروف.

 

لكن بين ما حدث لك…

 

وما ستفعله بعده…

 

توجد مساحة.

 

فى هذه المساحة تعيش مسؤوليتك.

 

وهناك يبدأ اختيارك.

 

 


 

قد تكون قد عشت سنوات تشرح لنفسك لماذا لم تستطع.

 

الآن حان وقت سؤال مختلف:

 

ماذا أستطيع أن أفعل بما أستطيع؟

 

ليس بما تمنيت.

 

ولا بما كان يجب أن يحدث.

 

ولا بما فعله الآخرون.

 

بل بما هو موجود الآن.

 

هذه هى نقطة التحول.

 

أن تتوقف عن إدارة حياتك على أساس الماضي، وتبدأ فى إدارتها على أساس الواقع.

 

 


 

إذا أخطأت…

 

اعترف.

 

إذا ظلمت…

 

أصلح ما تستطيع.

 

إذا ضيعت فرصة…

 

تعلم.

 

إذا تأخرت…

 

ابدأ من المكان الذى وصلت إليه.

 

إذا تغيرت رغبتك…

 

لا تخجل من مراجعتها.

 

إذا اكتشفت أنك كنت تسير فى طريق لا يشبهك…

 

توقف.

 

قد لا تستطيع العودة إلى البداية.

 

لكن تستطيع تغيير الاتجاه.

 

 


 

وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الناضج والإنسان الذى يعيش بردود الأفعال.

 

الأول يسأل:

 

«ما القرار الذى ينسجم مع قيمى ومسؤوليتي؟»

 

والثانى يسأل:

 

«كيف أتجنب غضبهم؟»

 

الأول يفكر فى الأثر.

 

والثانى يفكر فى الانطباع.

 

الأول يقبل تكلفة القرار.

 

والثانى يريد قرارًا بلا تكلفة.

 

والحياة لا تمنح هذا النوع من الصفقات.

 

 


 

كل اختيار له ثمن.

 

أن تختار الصدق قد يكلفك علاقة.

 

أن تختار كرامتك قد يكلفك شخصًا.

 

أن تختار التعلم قد يكلفك وقتًا.

 

أن تختار النجاح قد يكلفك راحة.

 

أن تختار الأسرة قد يكلفك بعض الفرص.

 

أن تختار التوازن قد يجعلك تتخلى عن أشياء كنت تظن أنها ضرورية.

 

لكن عدم الاختيار له ثمن أيضًا.

 

فقط لا يظهر سريعًا.

 

 


 

قد تخسر وظيفة إذا غادرت.

 

وقد تخسر سنوات إذا بقيت.

 

قد تخسر علاقة إذا قلت الحقيقة.

 

وقد تخسر نفسك إذا ظللت تكذب.

 

قد تخسر إعجاب الناس إذا وضعت حدودًا.

 

وقد تخسر احترامك لنفسك إذا لم تضعها.

 

لهذا لا تبحث عن حياة بلا خسائر.

 

ابحث عن خسائر تستحق أن تدفعها.

 

 


 

والإيمان هنا لا يلغي مسؤوليتك.

 

بل يعيدها إلى مكانها الصحيح.

 

أنت تسعى.

 

وتستشير.

 

وتستخير.

 

وتأخذ بالأسباب.

 

ثم تتوكل على الله فيما لا تملك.

 

لا تجعل القدر عذرًا للكسل.

 

ولا تجعل إرادتك ادعاءً بأنك تملك الغيب.

 

بينهما يعيش الإنسان المتزن:

 

يسعى كأن عليه مسؤولية، ويتوكل لأنه يعرف حدود قدرته.

 

 


 

قد تقول:

 

«وماذا لو اخترت خطأ؟»

 

ستختار خطأ أحيانًا.

 

هذه حقيقة.

 

لكن القرار الخاطئ لا يعني أنك إنسان فاشل.

 

أحيانًا يكون الخطأ جزءًا من التعلم.

 

المشكلة ليست أن تخطئ.

 

المشكلة أن ترفض مراجعة نفسك بعد ظهور الخطأ.

 

أن تحول الكبرياء إلى حارس لقرار انتهى عمره.

 

أن تقول:

 

«لقد بدأت، إذن يجب أن أكمل.»

 

لا.

 

يمكنك أن تعيد التقييم.

 

يمكنك أن تتراجع.

 

يمكنك أن تغير الخطة.

 

يمكنك أن تبدأ من جديد.

 

الاستمرار ليس دائمًا شجاعة.

 

أحيانًا تكون الشجاعة أن تعرف متى تتوقف.

 

 


 

وفى الإدارة، لا توجد خطة مقدسة.

 

الخطة تُقاس بالنتائج.

 

إذا تغيرت المعطيات، تغيرت الخطة.

 

لكن الإنسان أحيانًا يعامل قراراته القديمة وكأنها عقيدة لا يجوز مراجعتها.

 

يقول:

 

«لقد قررت.»

 

وكأن القرار يصبح صحيحًا لمجرد أنه اتخذه.

 

ليس كذلك.

 

القرار الجيد ليس الذى تتمسك به إلى النهاية.

 

القرار الجيد هو الذى تراجعه عندما تتغير الحقيقة.

 

وهذا ينطبق على الحياة كما ينطبق على المؤسسات.

 

 


 

ربما تحتاج اليوم إلى قرار صغير.

 

ليس تغيير حياتك كلها.

 

فقط خطوة.

 

اتصال تأخر.

 

اعتذار.

 

موعد.

 

كتاب.

 

تعلم مهارة.

 

ترتيب مالك.

 

مراجعة علاقة.

 

إغلاق باب.

 

فتح باب.

 

ساعة هادئة بعيدًا عن الهاتف.

 

شيء واحد.

 

لأن الحياة لا تتغير دائمًا بقرارات ضخمة.

 

أحيانًا تتغير عندما تتوقف عن تكرار الشيء نفسه.

 

 


 

ولا تنتظر أن تشعر أنك مستعد.

 

الاستعداد الكامل أسطورة جميلة.

 

قد تبدأ وأنت خائف.

 

وقد تبدأ وأنت غير متأكد.

 

وقد تبدأ وأنت تحمل شكوكًا كثيرة.

 

لكن هناك فرقًا بين أن تبدأ دون تفكير…

 

وأن تبدأ رغم أنك لا تملك ضمانًا.

 

الأولى تهور.

 

والثانية شجاعة محسوبة.

 

 


 

وأنت الآن تعرف شيئًا لم تكن تعرفه فى البداية.

 

أن خلف بعض قراراتك خوفًا.

 

وخلف بعض صمتك رغبة فى القبول.

 

وخلف بعض تنازلاتك صورة تريد الحفاظ عليها.

 

وخلف بعض صبرك هروبًا.

 

وخلف بعض تأجيلك انتظارًا للمستحيل.

 

وخلف بعض اختياراتك القديمة أصواتًا لم تكن صوتك.

 

لكن معرفة ذلك ليست نهاية الرحلة.

 

إنها بدايتها.

 

 


 

لا تستخدم هذا الوعى لتكره نفسك.

 

لا تقل:

 

«كنت مخدوعًا طوال الوقت.»

 

كنت إنسانًا.

 

والإنسان يتأثر.

 

ويخاف.

 

ويضعف.

 

ويتردد.

 

ويتعلم.

 

المطلوب ليس أن تصبح إنسانًا لا يتأثر.

 

بل أن تصبح إنسانًا يعرف متى يتأثر، ومتى يقرر.

 

 


 

من اليوم، عندما تشعر بالخوف، لا تسأله فقط:

 

«كيف أتخلص منك؟»

 

اسأله:

 

«ماذا تحاول أن تحمينى منه؟»

 

قد يعطيك إجابة مهمة.

 

وعندما تشعر بالغضب، لا تسأله:

 

«كيف أخرجه؟»

 

اسأل:

 

«ما الحد الذى تم تجاوزه؟»

 

وعندما تشعر بالذنب:

 

«هل أنا مسؤول فعلًا، أم أحمل ما ليس لى؟»

 

وعندما تشعر بالوحدة:

 

«هل أحتاج إلى هذا الشخص، أم أخاف أن أكون وحدى؟»

 

وعندما تتردد:

 

«هل أحتاج إلى معلومات أكثر، أم أحتاج إلى شجاعة أكبر؟»

 

هذه الأسئلة لا تعطيك حياة مثالية.

 

لكنها تمنع كثيرًا من القرارات العمياء.

 

 


 

وقد يأتي يوم لا تعود فيه بحاجة إلى سؤال:

 

«ماذا سيقولون؟»

 

ليس لأنك لم تعد تهتم.

 

بل لأنك أصبحت تعرف أن الناس لن يعيشوا نتائج قراراتك بدلًا منك.

 

لن يذهبوا إلى عملك كل صباح.

 

لن يعيشوا زواجك.

 

لن يحملوا قلقك.

 

لن يناموا فى سريرك.

 

لن يستيقظوا داخل جسدك.

 

لن يحملوا ذكرياتك.

 

ولن يقفوا معك أمام الله.

 

لذلك من حقهم أن ينصحوا.

 

لكن ليس من حقهم أن يعيشوا حياتك بدلًا منك.

 

 


 

وهنا يصل الإنسان إلى مرحلة هادئة جدًا.

 

لا يعلن فيها أنه تغير.

 

ولا يكتب منشورًا عن قوته.

 

ولا يخبر الجميع أنه أصبح مختلفًا.

 

فقط…

 

يبدأ فى التصرف بشكل مختلف.

 

يقول «لا» عندما تكون «لا» أكثر صدقًا.

 

يقول «نعم» عندما تكون «نعم» نابعة من رغبة حقيقية.

 

يعتذر حين يخطئ.

 

يتراجع حين يكتشف الخطأ.

 

يطلب المساعدة حين يحتاجها.

 

ويترك ما انتهى دون أن يحول الرحيل إلى حرب.

 

هذه ليست بطولة.

 

هذه حياة ناضجة.

 

 


 

وقد تخسر بعض الأشياء.

 

نعم.

 

لكن الخسارة ليست دائمًا عكس النجاح.

 

أحيانًا تخسر شيئًا حتى تستعيد نفسك.

 

تخسر عادة.

 

علاقة.

 

صورة.

 

مكانًا.

 

دورًا.

 

وهمًا.

 

خوفًا.

 

وكل خسارة منها قد تفتح مساحة لشيء لم يكن قادرًا على الدخول لأن حياتك كانت ممتلئة بما لا يشبهك.

 

 


 

وربما لهذا لم يكن عنوان هذا الكتاب:

 

«كيف تختار الحياة المثالية؟»

 

لأنها غير موجودة.

 

ولم يكن:

 

«كيف تتحكم فى كل شيء؟»

 

لأنك لا تستطيع.

 

ولم يكن:

 

«كيف تتخلص من الخوف؟»

 

لأن الخوف جزء من الإنسان.

 

بل كان السؤال:

 

«كيف تقودك أشياء لا تراها إلى حياة لم تخترها؟»

 

لأن الخطر الحقيقي ليس أن تخاف.

 

الخطر أن لا تعرف أن خوفك يتخذ القرار.

 

ليس أن تتأثر بكلام الناس.

 

الخطر أن لا تعرف أنك أصبحت تعيش من أجل كلامهم.

 

ليس أن تتعلق.

 

الخطر أن تسمي التعلق حبًا.

 

ليس أن تصبر.

 

الخطر أن تستخدم الصبر للهروب.

 

ليس أن تتأخر.

 

الخطر أن تحول التأخر إلى قدر نهائى.

 

 


 

والآن…

 

بعد كل هذه الصفحات…

 

لن أعطيك قائمة تعليمات.

 

لأن حياتك ليست مشروعًا يمكن اختزاله فى عشر نصائح.

 

لكن سأترك لك سؤالًا.

 

خذه معك إلى عملك.

 

إلى بيتك.

 

إلى علاقاتك.

 

إلى قراراتك.

 

إلى لحظات وحدتك.

 

كلما وقفت أمام اختيار…

 

اسأل:

 

«لو لم أخف، ماذا كنت سأختار؟»

 

ثم لا تتسرع.

 

فليس كل ما تختاره دون خوف صحيحًا.

 

لكن السؤال سيكشف لك شيئًا.

 

سيكشف الفرق بين الرغبة والخوف.

 

وبعدها اسأل سؤالًا آخر:

 

«وهل ما أريده يتوافق مع مسؤوليتى وقيمى وإيمانى؟»

 

إذا وجدت الإجابة…

 

تحرك.

 

 


 

لا تنتظر أن تصبح شخصًا آخر.

 

ابدأ بالشخص الذى أنت عليه.

 

بضعفك.

 

بخبرتك.

 

بأخطائك.

 

بسنواتك التى مضت.

 

بالفرص التى فاتت.

 

وبالأبواب التى لا تزال مفتوحة.

 

ليس مطلوبًا منك أن تستعيد الماضي.

 

مطلوب منك أن تستخدمه.

 

ليس مطلوبًا أن تعرف كل الطريق.

 

يكفي أن تعرف الخطوة التالية.

 

 


 

وفى النهاية…

 

ربما لن تستطيع أن تمنع العالم من التأثير فيك.

 

لكن تستطيع أن تمنعه من اتخاذ القرار بدلًا منك.

 

لن تستطيع إسكات كل الأصوات.

 

لكن تستطيع أن تعرف أيها يستحق أن تسمعه.

 

لن تستطيع أن تمنع الخوف من الدخول.

 

لكن تستطيع ألا تعطيه مفاتيح البيت.

 

لن تستطيع أن ترضى الجميع.

 

لكن تستطيع أن تعيش بطريقة لا تخجل منها حين تبقى وحدك.

 

وهذا ربما هو المعنى الأعمق للحرية:

 

أن تعود إلى نفسك دون أن تهرب من مسؤوليتك.

 

أن تعرف أنك لست ضحية لكل ما حدث.

 

ولست سيدًا على كل ما سيحدث.

 

أنت إنسان…

 

بين الماضي والمستقبل.

 

بين ما تملك وما لا تملك.

 

بين الدعاء والسعى.

 

بين الخوف والشجاعة.

 

بين الرغبة والمسؤولية.

 

وهناك…

 

فى هذه المساحة الصغيرة…

 

توجد حياتك.

 

 


 

كان الرجل نفسه يقف أمام المرآة من جديد.

 

لكن هذه المرة لم يكن يرتب قميصه.

 

لم يكن يفكر كيف سيبدو.

 

لم يكن يبحث عن رضا أحد.

 

نظر إلى وجهه طويلًا.

 

رأى التعب.

 

ورأى السنوات.

 

ورأى الأخطاء.

 

ورأى أشياء كثيرة لم يقلها.

 

ثم ابتسم.

 

لم تصبح حياته سهلة.

 

ولم تختفِ مشكلاته.

 

لكنه عرف أخيرًا شيئًا كان يبحث عنه منذ سنوات:

 

لم يعد يريد حياة يوافق عليها الجميع.

 

كان يريد حياة يستطيع أن يقف أمام الله فيها…

 

وأمام نفسه…

 

دون أن يشعر أنه عاشها لشخص آخر.

 

أخذ مفاتيحه.

 

فتح الباب.

 

خرج.

 

هذه المرة لم يكن يعرف كل ما ينتظره.

 

لكنه كان يعرف من سيختار.

 

هو.

 

وهنا…

 

تنتهى الحكاية.

 

وتبدأ الحياة.

 

رسالة الكتاب الأخيرة

 

ليست الحرية أن تتحكم فى كل ما يحدث لك، بل أن تستعيد حقك فى اختيار موقفك وقرارك وطريقك، وألا تسمح للخوف أو الناس أو الماضى بأن يعيشوا حياتك بالنيابة عنك.

 

كلمة أخيرة

 

قد تكتشف بعد قراءة هذا الكتاب أن بعض الأبواب التى ظننت أنها أغلقت منذ سنوات لم تكن مغلقة تمامًا.

 

وربما تكتشف أن الباب لم يكن هو المشكلة أصلًا.

 

ربما كنت تقف أمامه وأنت تنتظر من يدفعه لك.

 

لا تنتظر.

 

افهم نفسك.

 

راجع دوافعك.

 

استعن بالله.

 

خذ بالأسباب.

 

وتحمّل مسؤولية اختيارك.

 

ثم امضِ.

 

فالحياة لا تحتاج إنسانًا لا يخاف.

 

تحتاج إنسانًا لا يسمح لخوفه أن يقرر عنه.

 

انتهى.