مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

منذ الرحيل

كتبت: ندى محسن

 

أكتب إليك بعد صراع دام طويلاً، تناسيت ما فعلته كما لو أنني لم أبكي قط، تجاهلت الذكريات الذي بدأ عقلي بعرضها كما لو أنه يوبخني، ذكريات تمنيت لو أنها لم تحدث، تمنيت لو أنني لم أتمسك بك في ذلك اليوم عندما تركت يدي بعد اخباري أن كل شيء قد انتهى بيننا، كانت نظراتي وحواسي بأكملها تنتبه لعينيك الجامدة.

كلماتك حزينة، لقد قولت الكثير من الكلمات التي تليق بوداع قاسي مثل هذا؛ لكن كيف لي أن أتجاهل كلمات عينيك التي تنطق؛ لتخبرني أن كل ما تقوله كذب وأن لقاؤنا منذ البداية لم يكن إلا فضول منك؟

مازلت أحفظ كل كلمة عن ظهر قلبك؛ ربما عقلي وقلبي تناسوا الكثير والكثير من الأشياء عدا ما حدث في ذلك اليوم، مع هذا أنت لم تنتهي من داخلي بتلك البساطة، منذ الرحيل لم أراك ولم أعد أرى شيء جيد، لقد ذبلت الورود التي سقيتها وأخذت مشتقات إسمك؛ لتصبح اسمًا لها، لم تعد تأتي القطط بالقرب من منزلنا ولم أعد أحضر الطعام لهم.

حتى أن العصافير التي كانت تزعجني؛ لأستيقظ من نومي في كل يوم قد وجدت نافذة أخرى تغرد بالقرب منها، لقد تغيرت حياتي بأكملها بمجرد أن رحلت، كأن كل شيء في حياتي يقوم بحداد طويل؛ لكن في النهاية لم تصدق المعجزة، منذ الرحيل لم يعد تفرق معي تلك التفاصيل، لقد تغيرت وجهتي من سعادتك؛ لسعادتي، تغيرت وجهتي من محاولة إرضاءك؛ لإرضاء نفسي، تغير كل شيء في عيني حتى رؤيتي لك.

من المؤسف إخبارك: أنني أتعجب كثيرًا كيف للعين أن تفقد بصيرتها عندما يميل القلب؟ كيف لشخص أن يعشق من يصبح له ابتلاء عظيم؟ من الممكن أن لا تصدق وتظن أنني أحاول استعادة جزء من كرامتي المهدرة معك؛ لكن في الحقيقة لقد استعدت كرامتي بالفعل منذ الرحيل عندما عزمت أن لا أحادثك في محاولة للرجوع.

 منذ الرحيل وقلبي الممزق لم أدهسه أسفل قدمي، بل عالجته؛ لأنني سمحت لك بأن تدميه، لقد عاد ينبض بالحياة من جديد كإعادة الربيع على الورود؛ لتزهر بتألق مجددًا، وكإعادة العصافير تغرد؛ لاستيقظ من حلمي على واقع جميل يجيد قراءتي كما أجيد عيشه.