مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

 منة محجوب تكتب … مصادفات أدبية أم همسات كونية

 

في رحلاتنا الأدبية، كثيرًا ما نسعى نحو عناوين معينة، عن مؤلفين نفضلهم أو موضوعات تثير اهتماماتنا، فنبحث بشغف، لكن في خضم هذه المعركة المحددة، قد نلتفت لكتاب لم نكن نبحث عنه، أو لقاء غير متوقع لموضوع يثير اهتمامنا، هذه المصادفات الأدبية تثير تساؤلات عميقة عن طبيعة الاكتشاف، ودور الصدفة في حياتنا، حتى إمكانية وجود قوة خفية توجه خطواتنا نحو عوالم لم نكن نتخيلها.

 

قد يبدو الأمر طبيعيًا بسيطًا أن نمر بجانب رف مكتبي، أو نتصفح أكوامًا من الكتب المستعملة، فيقع نظرنا فجأة على غلاف جذاب، أو عنوان يثير الفضول. في هذه اللحظة، يصبح الكتاب الذي لم نكن نبحث عنه هو الكتاب الذي وجدنا.

 

 

يمكننا تفسير هذه اللقاءات على أنها صدفة محضة، نتيجة لهذا العدد المهول من الكتب المتاحة، لتوافق جميع الأذواق، قد يكون اختلاف الأذواق والاهتمام سببًا، قد يكون «الانتباه الانتقائي» له رأي آخر. فقد لعب على عقلنا اللاواعي في لحظة ما مشيرًا إلى (عنوان، غلاف، لون) وربط ذلك بشيء بداوخل كل مرء منا.

 

ولكن ترى نظرية أخرى أن المصادفة الأدبية ليست بلحظة عشوائية، فهي أبعد وأعمق من ذلك، فيرى البعض أنها «رسائل كونية»، أو إشارات ذات مغزى، وهنا نأتي للحديث عن فكرة «التزامن» التي طرحها كارل يونغ التي تشير إلى أن بعض الأحداث المتزامنة تحمل دلالات شخصية عميقة. فطريقة العثور على كتاب يشغل بالنا، أو يقدم لنا إجابة عن تساؤلات مهمة، في مدة زمنية معينة لا يكون صدفة أبدًا، بل تزامنًا يحمل لنا رسالة.

 

أو قد يتعلق الأمر بالحدس الخفي الذي يقودنا نحو الهدف، وما نحتاج إليه في لحظة بعينها، حتى إن لم نكن واعين لهذا، وقد يكون انجذابنا الخفي نحو كتاب معين ما إلا رغبة المرء الدفينة أو بحثه عن فكرة غائبة، وهناك من ذهب لأبعد من كل هذا، حيث يؤمن بقواه الخفية، أو القدر الذي يمهد لنا الطرق نحو مسارات معينة، وقد يكون العثور على الكتاب جزءًا منه كما هو متوقع.

 

يبقى السؤال: كيف نميز بين المصادفة البحتة والرسالة الكونية؟ الإجابة قد تكون معتمدة على الشخص نفسه وتعتمد على شعوره وتفسيره في تلك اللحظة. هل شعرنا بانجذاب قوي وغير مبرر للكتاب؟ هل وجدنا فيه صدى لأفكارنا أو مشاعرنا في تلك المدة؟ هل شعرت بأن هذا الكتاب «ظهر» في حياتنا في الوقت المناسب تمامًا؟

 

في نهاية المطاف، بين النظريات، والتوقعات، أرى سواء كانت اللقاءات الأدبية هي محض صدفة، أو إشارات ورسائل كونية عابرة، أو عميقة، فهي دائمًا وأبدًا تجارب ثرية، تفتح لنا أبوابًا لكثير من التمعن في كثير من الأفكار التي لم نتوقعها، والمعرفة، بل وعوالم جديدة، قد توسع وتغير مسار قراءتنا، أو حتى نظرتنا للحياة.

 

 

لذا عزيزي في اللقاء القادم الذي تعثر على كتاب لم تكن تبحث عنه، لا تتعجل في تصنيفه صدفة فحسب، خذ نفسًا عميقًا، وتوقف للحظة وتأمل في هذا اللقاء غير المتوقع، قد يكون هو فكرة جديدة، أو نافذة تطل على عالم لا تعرفه، أو رسالة تنتظرك بين سطوره، احتضن هذه المصادفات، واعتز بها؛ فقد تحمل في طياتها ما لم تتوقعه.