بقلم: خالد محمد شعبان
الزهد والفقر
حين كنت أحاول إقناع بعض أصدقائي بأن الزهد في الدنيا هو السبيل الأمثل للتعامل معها، وأن الطمع فيها ليس إلا انشغالًا بحطامٍ فانٍ يثقل كاهل المرء ويعيق حركته، كان الرد يأتيني دائمًا بأن هذه الأفكار “المثالية” قد عفا عليها الزمن؛ فنحن نعيش في عصر المادة والثروة والقوة الاقتصادية، ولا طائل من الزهد الذي لن يؤدي – في نظرهم – إلا إلى الفقر والفاقة.
حقيقة الزهد
هنا أدركت موطن الخلل في الفهم؛ فهم يظنون أن الزهد يعني التخلي عن الحياة واعتزال ملاذّها والعيش في عزلة عن الناس، وهذا في الحقيقة ليس زهدًا، بل هو تخاذل عن السعي وعجز عن عمارة الأرض.
أما الزهد الحقيقي فهو السعي في الدنيا دون أن يملكنا الطمع فيها؛ أن أسعى لجمع المال لأستعين به على طاعة الله ونفع خلقه، لا لأكتنزه، وأن أمتلك وسيلة نقل تيسّر لي سعيي في الرزق لا لمجرد التفاخر بعلامة تجارية معينة.
فالزهد هو معاملة الأشياء وفق مقاصدها لا أشكالها أو أثمانها؛ فما دام اللباس ساترًا وجميل المظهر يسرّ من رآه فأنا أشتريه بغض النظر عن شهرة علامته، وما دام المسكن قوي البناء يفي بالأغراض التي أرجوها فأنا أسكنه وإن لم يكن في مجمّعٍ فاره؛ لأن الهدف دائمًا هو المقصد والفائدة، وليس المظاهر الخادعة.
العبرة من قصة الجنتين
لم ينجح النقاش العادي في إيصال هذا المعنى لأصحابي؛ فقد كانت عقولهم أسيرة لصورٍ نمطيةٍ مغلوطةٍ تصوّر الزهّاد كفقراء بائسين لا دور لهم في المجتمع.
فبحثت عن وسيلة أرسخ بها هذا المفهوم، حتى وجدت في كتاب الله قصة حوارية بليغة تلخّص هذا المشهد:
قال تعالى:
{ ۞ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) }
[سورة الكهف: 32–43]
في هذه القصة تفاخر صاحب الجنتين بماله وقوته الاقتصادية على جاره الفقير، فظن أن ماله يمنحه الأفضلية المطلقة، فما كان من الله إلا أن سلب تلك القوة في لحظات ليبقى نادمًا.
وهنا تكمن الفكرة؛ فالزهد لم يكن يقتضي منه التخلي عن الجنتين، بل كان يقتضي نسبة الفضل إلى الله والإنفاق في سبيله؛ فمن الممكن أن يكون الغني زاهدًا إذا لم يدخل المال إلى قلبه، بل بقي في يده وسيلة للبناء.
دروس من قصة قارون
ونظرًا لأن أغلب الناصحين هم من البسطاء، يظن الغني المفتون بماله أن تفكيرهم هذا هو سبب فقرهم، فيزدريهم ويستعرض قوته عليهم، حتى تأتي سنة الله التي تمحق القوة الزائفة.
وفي قصة قارون عبرة بليغة؛ فقد انقسم الناس حوله بين منبهرٍ يراه قدوة، وبين مؤمنٍ يعلم حقيقة نعم الله.
قال تعالى:
{ ۞ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ … }
[سورة القصص: 76–82]
لقد سُحر ببريق مال قارون أولئك الذين أرادوا الحياة الدنيا بمظاهرها، بينما نصحه الذين أوتوا العلم بالنظر إلى الجوهر.
فالعلم الحقيقي يمنح الإنسان بصيرة تجعله يدرك أن الأرزاق موزعة بحكمة إلهية، وأن المال وسيلة للعيش لا غاية في ذاته.
الزهد فقه وبصيرة
وقد وصف الله الناصحين بأنهم أوتوا العلم لأنهم فقهاء في فهم حقيقة الدنيا؛ فهم يعلمون أن توزيع الرزق لا يخضع لمنطق العرض والطلب البشري فحسب، بل لحكمة إلهية ومبدأ الابتلاء.
وحتى لو غابت عنا أسباب هذا التفاوت، يكفينا أن نعلم أن الدنيا دار بلاء، والفقر والغنى من صور هذا الابتلاء.
قال تعالى:
{ ۞ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ }
[سورة الشورى: 27]
بساطة الحال ليست فقرًا
في ختام قصة قارون ندم الذين تمنوا مكانه، وأدركوا أن بساطة حالهم كانت منّة ونعمة؛ فكثرة المال تزيد من تبعات المسؤولية، وتصعّب على النفس إخراج حق الله، بينما الرزق المقدَّر بقدر الكفاية يسهّل على المرء الاستقامة.
وهذا لا يعني تفضيل الفقر على الغنى؛ فالفقر بلاء قد يفضي إلى الكفر، ولكن الرهان على بساطة الحال والكفاية.
ويقول الرسول ﷺ:
«مَن أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا».
رواه الترمذي (2346) وابن ماجه (4141).
الخلاصة
أن الكفاية التي تحقق مقاصد العيش دون زيادة تطغي أو نقصان يعجز هي سر الحياة المستقرة، والزاهد – غنيًا كان أو فقيرًا – هو من أيقن أن ما في يده أمانة، فراعى حق الله فيها، وأخذ منها ما يقيم حياته، تاركًا خلفه التكالب على ما لا ينفع.






المزيد
نظام الطيبات على الميزان
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة