بقلم/ خالد محمد شعبان
هيمنة التفاهة واغتيال القيمة
كثيراً ما ينتهي النقاش حول صناعة المحتوى الهادف بسؤال متكرر أين الجمهور؟ وتكون الإجابة الجاهزة دائماً هي الدفع بالنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي الكبرى باعتبارها الساحة الأوسع، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية حول طبيعة هذه المنصات ويغفل عن الأزمة العميقة التي تعيشها الثقافة الرقمية اليوم.
إن الرهان على تحويل منصات التواصل الجماهيرية إلى بيئات حاضنة للمحتوى العميق هو رهان خاسر، أو هو على الأقل سعي في طريق مسدود وذلك لثلاثة أسباب بنيوية وسوسيولوجية:
أولاً: خوارزميات الغرائز ووهم “المدينة الفاضلة”
من السذاجة الاعتقاد بأن منصات التواصل ستصبح يوماً ما ساحة للفضيلة أو المعرفة الخالصة فلو أُخضع المحتوى الرقمي للقياس، لوُجد أن المحتوى ذا القيمة الحقيقية لا يكاد يجاوز نسبة ضئيلة جداً مقارنة بطوفان “التريندات” السطحية والمبتذلة.
إن هذه المنصات مصممة تجارياً لتعزيز ما يوافق هوى المستخدم لا ما ينمي عقله والمحتوى التافه يعتمد على دغدغة الغرائز والرغبات المكبوتة فينتشر تلقائياً كالنار في الهشيم، بينما يتطلب المحتوى النافع من المتلقي جهداً ذهنياً وقراراً واعياً بالبحث والعقل البشري يميل بطبعه للراحة، لذا فإن محاولة فرض الجدية في بيئة صُممت للتسلية هي معركة غير متكافئة فالأولوية فيها لمن يدفع ولمن يثير الجدل لا لمن يقدم القيمة.
ثانياً: اقتصاد الانتباه ودعم البدائل
ثمة إشكالية كبرى تكمن في هجران المنصات المتخصصة والرصينة والتكدس في المنصات الاستهلاكية الكبرى، حيث تعاني المواقع الثقافية والعلمية الجادة من شح الدعم والزيارات بينما تُنفق الأوقات والأموال لتعزيز أرباح الشركات التقنية العملاقة التي لا تعير اهتماماً لنوعية المحتوى ما دام يحقق التفاعل.
إن استمرار الاعتماد الكلي على هذه المنصات هو تكريس لتبعية رقمية وإهدار لفرصة بناء بدائل معرفية حقيقية، ولو وُجه جزء من هذا النشاط لدعم المنصات الناشئة الهادفة، لتشكلت مجتمعات معرفية قوية تغني عن استجداء الإعجابات في ساحات لا تحترم إلا لغة الأرقام.
ثالثاً: فقه الإصلاح وعزة النفس
من الضروري إعادة النظر في منهجية الدعوة والتأثير إن السعي المحموم خلف حشد المتابعين واستجداء الجمهور ليسمع، غالباً ما ينتهي بتقديم تنازلات تمس جوهر الرسالة، والمبدأ الأصيل في الإصلاح هو أن يكون الإنسان صالحاً في ذاته قبل أن يتصدر لإصلاح الآخرين.
إن الانشغال بالأرقام الوهمية يصرف المصلح عن غايته السامية، فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بكثرة الأتباع، بل بصدق الأثر وعمق الفائدة، وكما ورد في الأثر الشريف فإن هداية رجل واحد خير من حيازات الدنيا الفانية فالهدف هو تقديم عمل صالح يبقى أثره لا تحقيق شهرة زائلة في عالم افتراضي.
العزلة الرقمية واستعادة الواقع
تثبت التجارب والمشاهدات أن الابتعاد عن صخب منصات التواصل لا يؤدي إلى انقطاع الصلة بالعالم كما يُتوهم، بل على العكس فهو يعيد للإنسان اتصاله الحقيقي بمحيطه وذاته، وهذه المنصات غالباً ما تخلق فجوة شعورية بين الفرد والمقربين منه وتستهلك وقتاً ثميناً في متابعة حيوات الآخرين وتوافه الأمور.
إن التحرر من وهم الضرورة لهذه المواقع يكشف زيف تأثيرها؛ فمعظم النشاط عليها هو استهلاك سلبي لا يضيف قيمة حقيقية بل هو هروب من مواجهة مشكلات الواقع وشعور زائف بالأهمية والدور.
جذور الأزمة وتحولات التربية وسلطة المراهقين
إن ما نراه على منصات التواصل من سطحية ليس إلا عرضاً لمرض اجتماعي وتربوي أعمق فالمشكلة الحقيقية تكمن في تغير موازين القوى في تقييم المحتوى، وبإلقاء نظرة فاحصة نجد أن الفئة العمرية التي تشكل السواد الأعظم من المتفاعلين والمعلقين هم المراهقون وصغار السن مما خلق ثقافة سيادة الهوى.
نشأ هذا الوضع نتيجة تحول جذري في أساليب التربية؛ فبعد أن كان الجيل السابق يُربى بأساليب صارمة تعتمد التلقين والردع (مما خلق جيلاً ملتزماً لكنه قد يحمل كبتاً)، جاء رد الفعل عكسياً في تربية الجيل الحالي، فتبنى الآباء الجدد أساليب الدلال المفرط والحريات المطلقة خوفاً من تكرار قسوة الماضي، فنشأ جيل اعتاد تلبية رغباته بلا قيد وتحولت الحياة في نظره إلى سوق هو فيها العميل الذي يجب إرضاؤه دائماً.
تلقفت المنظومة الرأسمالية (شركات وإعلام) هذا الجيل وصارت تتملقه وتسوق منتجاتها وفق أهوائه، فتحول الشاب من متلقٍ للقيم إلى حكم عليها، وحين انتقلت هذه السلطة إلى الفضاء الرقمي أصبح الشباب يُقيّمون كل شيء بما في ذلك الدين والعلم بمعايير المتعة والإبهار.
هنا تكمن الخطورة فإذ أصبح الدين والتراث والعلم مطالباً بأن يسوّق نفسه كمنتج ترفيهي ليقبله هذا الجيل، وإن لم يكن مبهراً أو ممتعاً يتم رفضه ووصفه بالرجعية، فنحن أمام جيل لا يفرق بين المنتج الذي يُشترى، والقيمة التي تُحترم؛ جيل يواجه إمبراطوريات إعلامية تسعى لتسليع كل شيء.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في كيفية الانتشار على منصات التواصل، بل في كيفية إعادة بناء مفاهيم القيمة والمعنى في وعي جيل كامل، في مواجهة طوفان يسعى لإغراقه في بحر من الشهوات والاستهلاك.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق