مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مرآة الزمن – الكاتب هاني الميهى

مرآة الزمن
هاني الميهى

قالت لي جارتي العجوز ذات يوم، وهي تهز رأسها بأسلوب الأوصياء على الأخلاق:
“أنتم جيل لا يفكر إلا بالجنس… الدنيا تغيّرت، وأنتم ضايعين.”

ابتسمت وأنا أراها ترتشف شايها ببطء، وأتأمل يديها اللتين حفرت فيهما السنين خرائط عمر طويل، ثم فجأة لمحت الصور المصفوفة على الجدار خلفها… أربعة عشر وجهًا بين أطفال وكبار، كلهم أبناءها.

لم أعلق فورًا، لكن في داخلي تساءلت: إذا كان جيلي مدمنًا للرغبة كما تقولين، فما الذي كان يحدث في جيلك إذن؟! أهو حب أنقى أم مجرد رغبة مغطاة بثوب الفضيلة؟ أم أنكم فقط كنتم أكثر جرأة على الإنجاب، وأقل خوفًا من الحكايات التي نخافها نحن اليوم؟

الفارق يا جارتي أنكم لم تعرفوا كثيرًا عن الحبوب، ولا عن الوسائل، ولا عن التخطيط، وأن المجتمع كان يصفق لمن يملأ بيته بالصغار حتى لو جاعوا. نحن اليوم نحسب، نخطط، نخاف الغد، وربما لهذا نظهر في أعينكم كسالى في إنتاج الحياة.

لكنني أقول لكِ شيئًا يا صاحبة الحكمة المتأخرة: كل جيل يتهم الذي يليه بالفساد لأنه يرى فيه صورًا جديدة للحياة لا يعرف كيف يقرأها. أنتم كنتم تلبسون القيم فوق الرغبات، ونحن نلبس الصراحة فوقها. والنتيجة؟ نفس البشر، لكن بطرق حكاية مختلفة.

ومع ذلك… أيهما أنقى فعلًا: أن تُحبّ تحت ستار الواجب، أم أن تعترف أنك تحب لأن قلبك وقلب الآخر أرادا ذلك؟ وأيهما أصعب… أن تعيش الحقيقة، أم أن تظل أسير صورة اخترعتها عن نفسك؟