مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

مثلث برمودا بقلم الكاتب هانى الميهى 

مثلث برمودا 

الكاتب هانى الميهى 

 

من كتاب كل هذه القوة تجعلني أختنق

 

الفصل الحادى عشر

لم يضيع فى يوم واحد، ولم يستيقظ صباحًا ليكتشف أن الطريق اختفى من أمامه. كان الضياع أكثر هدوءًا من ذلك. بدأ بخطوة صغيرة، ثم بخطوة أخرى، حتى وجد نفسه فى مكان يعرف اسمه، لكنه لا يعرف كيف وصل إليه.

 

كان ما يزال يمارس حياته كما اعتاد. يخرج، ويعود، ويجيب عن الأسئلة نفسها، ويؤدى ما ينتظره الآخرون منه. من الخارج، لم يكن هناك ما يلفت الانتباه. أما فى الداخل، فكانت الخرائط كلها قد فقدت اتجاهاتها.

 

أصعب أنواع الضياع ليست تلك التى تجعلك تجهل الطريق، بل التى تجعلك تجهل نفسك. أن تقف أمام قرار بسيط، فلا تعرف ماذا تريد. أن تنظر إلى الأشياء التى كنت تحبها، فلا تشعر نحوها بشىء. أن تسأل نفسك: «متى تغيرت؟» فلا تجد لحظة واحدة تستطيع أن تشير إليها.

 

كان يظن أن الإنسان يعرف دائمًا لماذا يتألم، لكنه اكتشف أن بعض الأوجاع لا تحمل أسماء. تشعر بثقلها، لكنك لا تستطيع أن تصفها. ترافقك فى كل مكان، لكنها كلما حاولت الإمساك بها، أفلتت منك، كأنها لا تريد أن تُعرَف.

 

ولهذا كان يشعر أحيانًا أنه يدور فى دائرة مغلقة. كلما اقتنع أنه اقترب من الخروج، وجد نفسه فى النقطة التى بدأ منها. يكرر الأسئلة نفسها، ويبحث عن الإجابات نفسها، ويعود كل مرة بحيرة أكبر مما ذهب بها.

 

ولم يكن أخطر ما فى هذا الضياع أنه أبعده عن الناس، بل أنه أبعده عن صورته القديمة. كان يتذكر نفسه كما يتذكر شخصًا عرفه منذ سنوات؛ يعرف ملامحه، لكنه لا يستطيع أن يعثر عليه. وكأن الأيام لم تسرق منه شيئًا واحدًا، بل سرقت الشخص الذى كانه.

 

ثم أدرك أن الضياع لا يحدث لأن الطريق اختفى، بل لأن الإنسان يظل طويلًا يمشى وهو ينكر تعبه. وحين يتجاهل إشارات قلبه، لا يعرف متى تجاوز المكان الذى كان يجب أن يتوقف عنده.

 

فى تلك اللحظة فهم أن النجاة لا تبدأ بالعثور على المخرج، بل بالاعتراف أنه تائه. فالإنسان لا يستطيع أن يرسم طريق العودة، ما دام يقنع نفسه أنه لم يبتعد.

 

ولعل أكثر ما أخافه أنه لم يكن يبحث عن مدينة، ولا عن بيت، ولا عن شخص. كان يبحث عن نفسه. وكان يخشى أن يطول البحث، حتى يعتاد الغياب، وينسى أن هناك نسخة منه كانت يومًا تعرف الطريق.

 

عندها فقط، فهم لماذا وصف ما يعيشه بأنه مثلث برمودا. لم يكن مكانًا تبتلع فيه البحار السفن، بل مكانًا تبتلع فيه النفس أجزاءها بصمت، حتى يبقى الإنسان واقفًا أمام العالم كامل الجسد… ناقص الروح.

 

 


 

رسالة الفصل

 

أخطر أنواع الضياع أن تفقد الطريق إلى نفسك، بينما يظن الجميع أنك تعرف إلى أين تمضى.

 

تمهيد الفصل القادم

 

وبعد كل هذا الضياع، لم يعد للحزن شكل واحد. أصبح يتسلل إلى كل شىء، حتى بدا العالم كله بلون لا يراه غيره.

 

الفصل الثانى عشر: باللون الأزرق.