مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لِحامُ القلوب بقلم أمجد حسن الحاج 

لِحامُ القلوب بقلم أمجد حسن الحاج

 

في زاويةٍ من الزمن، يقفُ رجلٌ مُثقلٌ بالجراح، يُمسكُ بآلةٍ لا تُصلِح الحديد بل تُرمِّمُ الوجدان. أمامه قلبٌ انشطرَ نصفين، ينبضُ بالوجع، يئنُّ من صمتٍ طالَ انتظاره، وكأنّ كلَّ نبضةٍ منه تصرخُ: “أعدني كما كنتُ يومًا، قبل أن يمرَّ الفقدُ بي.”

يُنزِل الرجلُ قناعَه المعدنيّ، لا ليحمي وجهَه من الشرر، بل ليخفي ملامحَ الحزن التي توشّحتها ملامحُ الأمل. يُشعلُ نارًا صغيرةً، لا تحرقُ اللحمَ، بل تذيبُ المسافاتِ بين شقوقِ الحبّ المتصدّع، تُلحمُ الذكرياتِ بلمسةٍ من صدقٍ، وتصلحُ ما أفسدتْه الخيانةُ والخذلان.

 

في تلك اللحظة، لا يُفكّرُ في المادةِ ولا في المعدن، بل في المشاعرِ التي انكسرتْ على حافةِ الانتظار، في الكلماتِ التي لم تُقال، في العيونِ التي لم تعدْ تعرفُ طريقَ الدفء. كلُّ ومضةٍ من شررِ لِحامهِ كانتْ وعدًا بالصبر، كلُّ ضوءٍ يشتعلُ فوق الجرحِ يهمسُ: “ما زال في الترميمِ حياة.”

 

إنّ القلبَ، وإنْ تصدّعَ ألفَ مرة، يبقى قابلًا للإحياء، مادام هناك من يجرؤ على لمسهِ برفقٍ، لا بسؤالٍ ولا بعتاب، بل بعزمِ من يعرفُ أنّ الحبَّ ليس نُزهةً في الربيع، بل مهنةُ من يصلحُ المكسورَ ويعيدُ المعنى لما ماتَ فيه.

 

في النهاية، حين يخفتُ اللهبُ وتبردُ الأدوات، يرفعُ الرجلُ نظرَه إلى القلبِ المرمَّم، فيرى خطوطَ الكسرِ ما زالتْ واضحةً، لكنها تلمعُ كالذهب، وكأنَّ الألمَ نفسهُ صارَ زينةً لا تُخفيها الأيام.

هكذا هو الحبُّ حين يُرمَّمُ بالصدق، لا يعودُ كما كان، بل يصبحُ أجمل، لأنَّ النارَ التي أصلحتْهُ لم تحرقْهُ، بل أنضجتْهُ بالشعور.

 

وهكذا، يظلُّ كلُّ عاشقٍ مُخلِصٍ حدَّ الوجع، عاملَ لِحامٍ ماهرٍ في معملِ القلب، يُصلحُ ما كُسرَ بيديه، ويُعيدُ للحياةِ نبضَها الأول، حتى وإنْ كانَ الشررُ يُلسِعُهُ في كلِّ مرةٍ يُحاولُ فيها أن يُحبَّ من جديد.