مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ بقلم هاني الميهى

الفصل الخامس
لماذا ينجو الأقسى لا الأذكى؟
اسم الكتاب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
اسم الكاتب: هاني الميهى

أكثر ما يُربك الإنسان في رحلته مع الحياة،
أنه يرى أحيانًا أشخاصًا أقل ذكاءً،
أقل وعيًا،
أقل ثقافة،
وأضعف تحليلًا…
ينجون،
بينما يسقط الأذكى،
وينهك الأعمق فهمًا،
ويتآكل الأكثر حساسية.
هذا المشهد المتكرر خلق سؤالًا صامتًا في عقول كثيرين:

هل الذكاء عبء؟
وهل الفهم الزائد نقمة؟
ولماذا لا يكافئ الواقع دائمًا من يفهمه جيدًا؟
الإجابة غير مريحة، لكنها صادقة:
لأن الحياة لا تُدار بالذكاء وحده،
بل تُدار بالقدرة على التحمل النفسي.
الذكاء أداة،

أما القسوة النفسية — أو بتعبير أدق الصلابة —
فهي البنية التي تحمي هذه الأداة من الانكسار.
الإنسان خُلق في كبد،
والكبد لا يختبر سرعة الفهم بقدر ما يختبر طول النفس.

كثيرون يفهمون الحقيقة مبكرًا،
لكنهم لا يحتملون ثقلها طويلًا.
يفهمون طبيعة الناس،
لكنهم يتألمون من خيباتهم.
يفهمون آليات الظلم،
لكنهم ينهارون تحت وطأته.
يفهمون قسوة العالم،
لكنهم يرفضون قبولها كما هي.
وهنا يبدأ التآكل الداخلي.
الذكاء العالي غالبًا ما يأتي مصحوبًا بحساسية أعلى،
والحساسية غير المُدارة
تتحول مع الوقت إلى نزيف صامت.

أما الأقسى — لا الأغبى —
فيمتلك قدرة أعلى على الاستمرار.
ليس لأنه لا يفهم،
بل لأنه لا يسمح للفهم أن يفتك به.
وهنا يجب التمييز بدقة:
القسوة التي نتحدث عنها ليست انعدام الرحمة،
ولا جمود المشاعر،
ولا بلادة الإحساس.
إنها الصلابة النفسية،
القدرة على امتصاص الصدمات دون الانهيار،
والتعرض للخذلان دون الانكسار،
والاستمرار رغم الإحباط دون فقد الاتجاه.

الحياة لا تسأل:
من الأذكى؟
بل تسأل:
من يستطيع الوقوف بعد السقوط؟
ولهذا، كثير من الأذكياء يسقطون في منتصف الطريق،
ليس لأنهم أخطأوا الفهم،
بل لأنهم استهلكوا طاقتهم النفسية في التفكير الزائد،
والتحليل المستمر،
والصراع الداخلي الطويل.
يفكرون في كل شيء،
حتى يفقدوا القدرة على الاحتمال.

أما الأقسى،
فيتعامل مع الحياة بحدٍّ أدنى من التوقعات،
وحدٍّ أعلى من الجاهزية،
فلا تُفاجئه الخسارة،
ولا تُربكه الصدمة،
ولا تُسقطه الحقيقة.
هو لا ينكر الألم،
لكنه لا يُضخّمه.
لا يجهل الواقع،
لكنه لا يسمح له بابتلاع روحه.
وهذا الفارق هو ما يصنع النجاة.
في عالم الأعمال،

كثيرًا ما يفشل صاحب الرؤية الأذكى،
لأنه لا يحتمل بطء النتائج،
ولا صدمات السوق،
ولا خيبات الشركاء.
بينما ينجو صاحب العقلية الأكثر صلابة،
ليس لأنه أدق تحليلًا،

بل لأنه:
يتحمل الخسارة
يعيد المحاولة
يتعلّم دون أن ينهار
ويستمر دون ضجيج داخلي
الذكاء يمنحك الخريطة،

لكن الصلابة تمنحك القدرة على السير.
ومن دون الصلابة،
تتحول المعرفة إلى عبء ثقيل.
ولهذا ترى بعض الناس يفهمون أخطاءهم جيدًا،
لكنهم يكررونها،
لأنهم لا يملكون القوة النفسية
لتغيير المسار.
يفهمون،
لكنهم لا يحتملون كلفة التغيير.
الإنسان في كبد،
والكبد لا يرحم الرقيق نفسيًا،
مهما كان فطنًا.

وهنا تظهر واحدة من أقسى حقائق الحياة:
ليس كل من يفهم ينجو،
لكن كل من ينجو…
تعلّم كيف يحتمل.

الصلابة لا تعني أن تصبح قاسي القلب،
بل أن تصبح ثابتًا تحت الضغط.
أن لا تفسر كل حدث على أنه تهديد وجودي،
ولا كل خسارة على أنها نهاية،
ولا كل تأخير على أنه إهانة.

الأذكى أحيانًا يحمّل الأحداث أكثر مما تحتمل،
ويُرهق نفسه بتوقعات مثالية،
ثم يصطدم بواقع لا يراعي هذه الرهافة.

أما الأقسى،
فيتوقع الأسوأ،
ويُخطط للأسوأ،
فإذا جاء الأسوأ…
لم ينهَر.
وهذا لا يعني أن القسوة غاية،
بل أنها مرحلة حماية.

الصلابة النفسية ليست نقيض الإنسانية،
بل شرط استمرارها.
من دونها،
تتحول الأخلاق إلى عبء،
والضمير إلى ألم دائم،
والوعي إلى معاناة بلا نهاية.
ولهذا، كثير من الناس الطيبين يتعبون أكثر،
ليس لأنهم أضعف،
بل لأنهم لم يتعلموا كيف يحمون أنفسهم نفسيًا.

القسوة هنا تعني:
وضع حدود
تقليل التوقعات
إدارة القرب والبعد
عدم استنزاف الذات في كل معركة
اختيار المعارك بعناية
وهذا كله ليس برودًا،
بل حكمة باردة.
الحياة لا تكافئ من يشعر أكثر،
بل من يصمد أكثر.
ولا تمنح الاستمرارية لمن يفهم بسرعة،
بل لمن يحتمل ببطء.
الإنسان خُلق في كبد،
والكبد يحتاج عضلات نفسية،
لا مجرد عقل لامع.
ومن لم يبنِ هذه العضلات،
سيسقط تحت وزن وعيه.

ولهذا،
إن أردت النجاة،
لا تطلب أن تكون الأذكى في الغرفة،
بل أن تكون الأقدر على الخروج منها
وأنت ما زلت واقفًا.
الذكاء يفتح لك الباب،
لكن الصلابة هي التي تجعلك تعبره.

رسالة الفصل
الذكاء يريك الحقيقة،
لكن الصلابة وحدها
تجعلك تعيش معها دون أن تتحطم.

#لقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي