ليلة بلا نجوم :
بقلم : عبد الرحمن شعبان سعد
الجزء الأول
لم تكن ليلة عادية. السماء خالية تمامًا، بلا قمر، بلا نجوم، وكأن الظلام قرر أن يكون كاملًا هذه المرة. الهواء ساكن على غير العادة، والصمت يضغط على الصدر بثقل غريب.
كان سليم يسير في الطريق الجانبي المؤدي إلى بيته الريفي، يضم معطفه حول جسده، ويُسرع خطواته دون سبب واضح. لم يكن خائفًا… أو هكذا أقنع نفسه. لكن قلبه كان يخفق أسرع من المعتاد، وكأن شيئًا ما يراقبه من بعيد.
منذ أيام، والقرية تعيش حالة غير مريحة. انقطعت الكهرباء أكثر من مرة، الكلاب تعوي ليلًا بلا توقف، وأحاديث الناس صارت همسًا حذرًا، كأنهم يخشون أن يسمعهم أحد.
قالوا إن الليالي تغيّرت. وإن السماء حين تخلو من النجوم، لا تكون فارغة عبثًا.
توقف سليم فجأة. سمع صوت خطوات خلفه. التفت بسرعة… لا أحد.
ابتلع ريقه، وأكمل السير، محاولًا تجاهل الشعور الثقيل الذي استقر في صدره. وصل إلى بيته أخيرًا، أغلق الباب بإحكام، وأسند ظهره إليه كمن نجا من شيء لم يفهمه بعد.
في الداخل، كان البيت هادئًا أكثر مما ينبغي. جلس على الأريكة، وأشعل مصباحًا صغيرًا. نظر إلى الساعة: الواحدة بعد منتصف الليل.
حينها سمع الصوت.
طرقٌ خافت… بطيء… منتظم. كأن يدًا تعرف تمامًا متى تضرب.
تجمّد سليم في مكانه. لم يتحرك. الطرق تكرر، أقرب هذه المرة.
— من هناك؟ خرج صوته ضعيفًا، لا يشبهه.
لا إجابة. فقط الطرق… ثم صمت طويل.
نهض بحذر، اقترب من الباب، نظر من العين الصغيرة. الظلام في الخارج كان كثيفًا، لا يُظهر شيئًا. فتح الباب ببطء…
لا أحد.
تنفّس بعمق، وأغلقه مرة أخرى، وهو يوبّخ نفسه على خوف لا سبب له. لكن قبل أن يعود إلى مكانه، لمح شيئًا على الأرض.
آثار أقدام… مبتلّة… تبدأ من أمام الباب… وتتجه إلى الداخل.
تراجع خطوة للخلف، وقلبه يكاد يقفز من صدره. تبع الآثار بعينيه… حتى توقفت… أمام باب غرفته.
وفي تلك اللحظة، انطفأ المصباح.
غرق البيت في ظلام كامل، وسمع سليم همسة قريبة من أذنه، باردة… واضحة… كأنها لم تأتِ من فم إنسان.
— لا تنظر إلى السماء…






المزيد
تفكّر في آيات
لهفة بلا قرار
سكون بعد التعب