مقال بعنوان
كتب عبد الرحمن شعبان سعد:
كثيرًا ما نسمع أشخاصًا يرددون أن الوقت لم يعد يكفي لإنجاز المهام أو تحقيق الأهداف أو حتى الجلوس مع الأسرة والأصدقاء، لكن عندما ننظر إلى تفاصيل يومهم نجد أن ساعات طويلة تضيع أمام شاشات الهواتف المحمولة دون فائدة حقيقية. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف أصبح الوقت نادرًا في حياة البعض رغم أنهم يقضون جزءًا كبيرًا منه في تصفح الهاتف؟
لقد أصبح الهاتف جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والعمل والترفيه، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الهاتف نفسه بل في طريقة استخدامه. فالكثير من الناس يدخلون إلى الهاتف لدقائق معدودة ثم يفاجؤون بأن ساعة أو ساعتين قد مرتا دون أن يشعروا، بسبب التنقل المستمر بين التطبيقات ومقاطع الفيديو والمنشورات المختلفة.
ومن أسباب هذه الظاهرة أن بعض التطبيقات صُممت بطريقة تجعل المستخدم يقضي أطول وقت ممكن داخلها من خلال المحتوى المتجدد باستمرار، مما يدفع الإنسان إلى الاستمرار في المشاهدة والتصفح دون هدف محدد. كما أن ضغوط الحياة تجعل البعض يلجأ إلى الهاتف هروبًا من المشكلات أو المسؤوليات أو حتى من الشعور بالملل.
ومع مرور الوقت يتحول الأمر إلى عادة يومية تستنزف الساعات دون أن يشعر صاحبها، فيجد نفسه يؤجل أعماله ومهامه ويشعر بالتقصير ثم يشتكي من ضيق الوقت رغم أن جزءًا كبيرًا منه ضاع فيما لا يعود عليه بفائدة حقيقية.
ولا تقتصر الآثار السلبية على إهدار الوقت فقط، بل تمتد إلى ضعف التركيز وتراجع الإنتاجية وقلة التواصل الحقيقي مع الأسرة والأصدقاء، بالإضافة إلى التأثير على الصحة النفسية والجسدية عندما يصبح الهاتف محور الحياة الأساسي.
الحلول العملية والإيجابية
تحديد أوقات معينة لاستخدام الهاتف خلال اليوم
تقليل متابعة المحتوى غير المفيد
إغلاق الإشعارات غير الضرورية التي تسبب التشتت
استبدال جزء من وقت الهاتف بالقراءة أو ممارسة الرياضة أو تعلم مهارة جديدة
تخصيص وقت للأسرة والأصدقاء بعيدًا عن الشاشات
متابعة عدد ساعات الاستخدام اليومية ومحاولة تقليلها تدريجيًا
استخدام الهاتف كوسيلة نافعة لا كوسيلة لقتل الوقت
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
سورة العصر
وقال سبحانه
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
سورة المؤمنون الآية 115
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ »
رواه البخاري
وقال صلى الله عليه وسلم
« لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه »
رواه الترمذي
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة »
رسالة أفسس 5 : 15-16
وجاء أيضًا
« لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السماوات وقت »
سفر الجامعة 3 : 1
وتدعو التعاليم الدينية سواء في الإسلام أو المسيحية إلى تقدير قيمة الوقت واستثماره فيما ينفع الإنسان والمجتمع، فالعمر نعمة عظيمة ومسؤولية في الوقت نفسه، وكل لحظة تمر لا يمكن استعادتها مرة أخرى، لذلك ينبغي أن يكون الوقت وسيلة للبناء والتعلم والعمل النافع لا أن يضيع فيما لا فائدة منه.
وفي النهاية فإن المشكلة ليست في الهاتف بحد ذاته، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. فالتكنولوجيا نعمة كبيرة عندما تخدم أهدافنا وتساعدنا على التعلم والتواصل والنجاح، لكنها قد تتحول إلى سبب في ضياع الوقت إذا فقدنا السيطرة على استخدامها. لذلك فإن إدارة الوقت تبدأ من إدارة العادات اليومية، وأولها معرفة أين تذهب ساعات يومنا، لأن الإنسان الذي يقدّر وقته يقدّر حياته ومستقبله.






المزيد
نلتقي مرتين
الثقافة بين التكريم وصناعة المبدعين
حين ينتهي الجمال في فصول الحياة – الفصل الأول