الفصل الرابع – ارتقاء النفس
الجزء الرابع:
بوّابة التحوّل: من الوعى إلى التغيير.
اسم الكتاب: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
اسم الكاتب: هاني الميهى
ما كنتُ أعلم أن اللحظة الفاصلة فى رحلة النفس ليست لحظة الوعى، بل لحظة التحوّل. فالوعى قد يهبط على القلب فجأة، لكن التغيير لا ينبت إلا ببطء، وبجهدٍ شديد لا يراه أحد. أدركت هذا حين وقفت على عتبةٍ جديدة: عتبة الخروج من دائرة معرفة النفس… إلى دائرة إعادة تشكيلها..
كنت أظن أن الوصول إلى الوعى يُنهي الصراع، فإذا به يبدأه. الوعى يشبه الضوء الذى يكشف العيوب، لكنه لا يُصلحها. يُريك الطريق، لكنه لا يمشيه عنك. ولذا وجدت نفسى أمام سؤال لم أفكر فيه من قبل: كيف أتحوّل؟ وكيف أجعل ما أدركته واقعًا؟
كان هذا السؤال بداية مرحلة مختلفة فى رحلتى؛ مرحلة شعرت فيها أن النفس تقف بين أمرين: إمّا أن ترتقى، وإمّا أن تعود إلى ما كانت عليه، وربما أشدّ. فالتحوّل ليس حقًا مُكتسبًا، بل هو خيار يومى، يتجدد مع كل فعل صغير يختبر صدقك.
بدأت أراقب تفاصيل سلوكى كما يراقب الحارس بوابة مدينة فى زمن الفوضى. ألاحظ لحظات الغضب، وانفعالات الاستجابة، وأصوات الرغبات القديمة التى تتسلل خفية. رأيت أن النفس لا تستسلم للتغيير بسهولة؛ فهى تُقاتل لتبقى كما اعتادت، وتُبرر لنفسها كل تراجع. وفهمت حينها أن التحوّل لا يكتمل إلا حين تغلب النفس على حججها، لا على رغباتها فقط.
من أهم ما اكتشفته فى هذه المرحلة أن التحوّل ليس حدثًا واحدًا، بل سلسلة من الاختبارات الصغيرة التى قد تبدو تافهة، لكنها تحمل معنى كبيرًا. اختبار فى كلمة تُقال أو تُحذف. اختبار فى موقف يحتمل ردًّا عنيفًا أو صمتًا حكيمًا. اختبار فى قدرة النفس على كسر عادة قديمة، أو تبنّى عادة جديدة.
كنت أسأل نفسى كل ليلة: هل أنا اليوم أقرب إلى نفسى التى أريدها، أم أبعد؟ وكان هذا السؤال وحده كافيًا ليعيدنى إلى الطريق كلما ابتعدت عنه. فالتغيير الحقيقى يبدأ حين يصبح الإنسان مسئولًا عن نفسه أكثر مما هو مسئول عن العالم.
فى هذه المرحلة لاحظت شيئًا لافتًا: أن الله لا يفتح باب التحوّل إلا لمن يريد أن يخطو إليه. فإذا خطوت، وُفّقت. وإذا توقفت، توقّف عنك العون. وكأن التحوّل عقدٌ بين العبد وربه؛ يبدأه الإنسان بالنية، ويتممه الله بالتوفيق.
ولعل أصعب ما فى التحوّل هو الصبر على بطئه. فالنفس تتمنى قفزات سريعة، لكن الواقع لا يلبى هذا التمنى. كنت أعود أحيانًا إلى بعض نقاط الضعف التى ظننت أنى تجاوزتها، فأغضب من نفسى، ثم أدرك أن الرجوع ليس علامة فشل، بل علامة أن الطريق طويل وأننى ما زلت أتعلم.
ولمّا مضت الأيام، بدأت ألمس شيئًا جديدًا؛ شيئًا يشبه السكينة. لم يكن انتصارًا صاخبًا، بل هدوءًا داخليًا يجعلنى أدرك أن النفس حين تُطوَّع، لا تفقد قوتها، بل تستعيد جوهرها. كانت اللحظة التى شعرت فيها أننى عبرت البوابة الحقيقية للتحوّل: اللحظة التى توقف فيها الصراع بين ما أعرف أنه حق، وما أرغب فيه حين أغفل.
وحين وقفت عند نهاية هذه المرحلة، فهمت أن التحوّل ليس أن أغيّر نفسى فقط، بل أن أغيّر الطريقة التى أرى بها العالم. أن أتعامل مع كل موقف باعتباره فرصة للتزكية، لا ساحة للمواجهة. وأن أرى كل خطأ باعتباره درسًا، وكل سقوط معبرًا، وكل تأخر علامة أننى ما زلت فى الطريق الصحيح.
فالتحوّل الحقيقى هو أن تتغير داخليًا حتى لو لم يتغير العالم حولك. أن تصبح أنت النسخة التى أرادها الله حين قال: “قد أفلح من زكّاها.”
الرسالة الختامية للجزء
التحوّل لا يبدأ حين تعرف نفسك، بل حين تعيد تشكيلها، خطوة بخطوة، حتى تصبح أقرب إلى حقيقتها التى خُلقت من أجلها.
#هاني_الميهى
#وَنَفْسٍوَمَاسَوَّاهَا






المزيد
-سَــأُريك من أنــا بقلــم شــاهينـــاز مـحمــد
هذه رحلتي وعدت بقلم مريم الرفاعي
عطر القلوب بقلم فلاح كريم احمد