الفصل السابع
كيف تُفاوض الكبد بدل أن تحاربه
اسم الكتاب: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ
اسم الكاتب: هاني الميهى
أول خطأ يرتكبه الإنسان مع الكبد،
أنه يتعامل معه كعدو يجب القضاء عليه.
يحاربه،
يكرهه،
يرفض وجوده،
ويتمنى زواله الكامل.
وهذا خطأ استراتيجي.
لأنك لا تحارب شيئًا صُممتَ لتعيشه،
ولا تنتصر على قانون كُتب عليك،
ولا تلغي بنية خُلقت فيك.
الكبد ليس طارئًا على حياتك،
بل شريك دائم فيها.
والعاقل لا يحارب شريكًا لا يستطيع الاستغناء عنه،
بل يتعلم كيف يفاوضه.
المفاوضة هنا ليست ضعفًا،
ولا استسلامًا،
ولا قبولًا سلبيًا.
هي أعلى أشكال القوة العقلية:
أن تفهم الواقع كما هو،
ثم تعيد توزيع الأدوار داخله.
الكبد يقول لك:
ستتألم.
وأنت تقول له:
لكنني سأختار كيف، ولماذا، وإلى متى.
هذا هو جوهر التفاوض.
من يحارب الكبد،
يستنزف طاقته في الصراخ الداخلي،
والرفض النفسي،
والشكوى المستمرة،
فيتضاعف الألم.
أما من يفاوضه،
فيحوّل جزءًا من هذا الألم
إلى وعي،
وجزءًا إلى انضباط،
وجزءًا إلى نمو.
الفرق بين الاثنين
ليس في كمية المشقة،
بل في طريقة إدارتها.
الكبد حين يُحارَب،
يتحوّل إلى قهر.
وحين يُدار،
يتحوّل إلى تدريب.
والحياة — في جوهرها —
برنامج تدريب طويل.
أول خطوة في مفاوضة الكبد
هي الاعتراف.
الاعتراف بأن:
المشقة قادمة
الضغط حتمي
الخسارة واردة
التأخير جزء من الطريق
من لا يعترف بهذه الحقائق،
يعيش في صراع دائم مع الواقع،
ويفسر كل اختبار على أنه ظلم شخصي.
الاعتراف لا يعني الرضا،
بل يعني التوقف عن استنزاف النفس
في إنكار ما لا يمكن إنكاره.
بعد الاعتراف يأتي التحديد.
أن تُحدد بدقة: ما الذي يؤلمك فعلًا؟
هل هو الجهد؟
أم الإهانة؟
هل هو التعب؟
أم غياب التقدير؟
هل هو الفقد؟
أم الخوف مما بعده؟
كثير من الناس يتألمون،
لكنهم لا يعرفون من ماذا.
والألم غير المحدد
أصعب في الإدارة
من الألم الواضح.
الكبد لا يُفاوض في العموم،
بل في التفاصيل.
حين تُحدد مصدر الألم،
يمكنك التفاوض حوله.
وحين تتركه ضبابيًا،
يسيطر عليك بالكامل.
الخطوة الثالثة هي إعادة التوزيع.
أن تعيد توزيع طاقتك،
ووقتك،
وتركيزك،
وحتى مشاعرك.
ليس كل معركة تستحق كل قوتك.
وليس كل ضغط يحتاج رد فعل كامل.
وليس كل خسارة تستحق حدادًا طويلًا.
الكبد يُرهق من يضع كل ثقله
في كل لحظة.
العاقل يتعلم:
متى يشد
ومتى يخفف
ومتى يصمت
ومتى يواجه
وهذا جوهر الإدارة.
في عالم الأعمال،
لا يُدار الضغط بالصراخ،
بل بإعادة توزيع الموارد.
وكذلك النفس.
الخطوة الرابعة هي وضع الشروط.
حتى في الكبد،
يجب أن تكون هناك حدود.
أن تقول: سأتحمل هذا…
لكن ليس إلى الأبد.
وسأصبر هنا…
لكن بشرط التغيير.
وسأستمر الآن…
لكن مع خطة خروج.
من يصبر بلا شروط،
يسجن نفسه بيده.
الله لم يطلب من الإنسان
أن يتحمل بلا نهاية،
بل طلب منه أن يعقل،
ويفهم،
ويختار.
الصبر بلا أفق
ليس فضيلة،
بل استنزاف مؤجل.
ومن التفاوض الذكي مع الكبد
أن تضع له سقفًا زمنيًا،
أو شرطًا موضوعيًا،
أو نقطة مراجعة.
الخطوة الخامسة هي تحويل الألم إلى قرار.
أسوأ ما يمكن أن تفعله بالألم
أن تتركه يدور داخلك بلا نتيجة.
الألم طاقة،
وكل طاقة بلا توجيه
تتحول إلى تدمير.
اسأل نفسك: ماذا يطلب مني هذا الألم؟
هل يطلب تغيير مسار؟
هل يطلب مواجهة مؤجلة؟
هل يطلب حدًا لم يوضع؟
هل يطلب خروجًا شجاعًا؟
حين يتحول الألم إلى قرار،
يتوقف عن التهامك من الداخل.
وهنا يحدث التحول الحقيقي:
من ضحية كبد
إلى مدير كبد.
الإنسان الذي يفاوض الكبد
لا ينتظر زواله،
بل يتقدم معه.
يعرف أن: بعض الأوجاع ستبقى،
لكن أثرها سيتغير.
وبعض الضغوط ستستمر،
لكن وزنها سيخف.
وبعض الخسائر ستُسجل،
لكنها لن تُهزمه.
لأنه لم يعد في صراع مع الواقع،
بل في إدارة له.
ومن أخطر ما يُنهك الإنسان
أن يقضي نصف عمره
يحارب ما لا يمكن تغييره،
ونصفه الآخر
يشكو من الإرهاق.
الكبد لا يُلغى،
لكن يُدار.
ومن لا يتعلم هذه المهارة،
سيظل يدور في حلقة: ألم → غضب → استنزاف → انهيار → إعادة.
أما من فاوض الكبد بذكاء،
فيخرج من كل دورة
أكثر فهمًا،
وأقل اندفاعًا،
وأشد صلابة.
الله خلق الإنسان في كبد،
لكنه لم يخلقه بلا عقل،
ولا بلا إرادة،
ولا بلا قدرة على التعلم.
ومن يحسن استخدام هذه الأدوات،
لا ينتصر على الكبد،
بل يتعايش معه دون أن يفقد نفسه.
وهذا أعلى أشكال الانتصار.
رسالة الفصل
من يحارب الكبد يخسره،
ومن يفاوضه…
يتقدم.
#لقدخلقناالإنسانفيكبد
#هاني_الميهي






المزيد
مرافئ الشوق الأخير بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال