📖 اسم الكتاب: شفرة الخلق
✍️ اسم الكاتب: هانى الميهى
🕯️ عنوان الفصل الثامن: لعنة الاختيار
🧩 الفصل الثامن – الجزء الرابع.
إنّ أعظم ما ورثه الإنسان عن سلالاته ليس الجسد، بل القدرة على السؤال. فالسؤال هو الجين الأعلى، الشيفرة الكبرى التى تمنحنا ميزة الإدراك، وتصنع داخلنا الاضطراب الذى يدفعنا إلى البحث والتجاوز. كلّ ما فى الكون يسير وفق ناموسٍ صارمٍ لا حياد فيه، إلّا الإنسان، إذ يملك أن يتمرّد على شفرة الخلق ذاتها.
لكنّ التمرّد لا يعنى الإنكار، بل الفهم. فمن لا يُدرك أصوله لا يستطيع أن يختار طريقه. إنّ من يجهل الجذر لا يعرف إلى أين تمتدّ أغصانه. لذلك، كان على كلّ إنسانٍ أن يواجه مرآة الوراثة بجرأة، أن يتأمّل ما ورثه من صفاتٍ وعقدٍ وأحلامٍ، لا ليخضع لها، بل ليعيد ترتيبها من جديد.
ولعلّ المأساة أنّ كثيرين يهربون من أنفسهم إلى صورٍ زائفة يظنّونها حرّية. يرتدون أقنعةً لا تُشبه وجوههم، ويُسمّون ذلك “اختيارًا”. غير أنّ الاختيار الحقّ ليس فى تبديل الوجوه، بل فى فهم الوجه الأصلى وتحريره من شوائب الخوف والماضى.
فى النهاية، ليست الجينات قيدًا ولا لعنة، بل مفتاحًا. من يفهمها يفتح بابًا إلى نفسه، ومن يتجاهلها يعيش غريبًا فى دمه، يبحث عن هويّةٍ فى ماضٍ لا يعرفه ومستقبلٍ لا ينتظره.
إنّ الإنسان، مهما تغيّر، يظلّ يحمل بذور البدء الأولى فى أعماقه. لكنّ سحره الحقيقى يكمن فى أنّه القادر الوحيد على إعادة كتابة تلك البذور بلغةٍ جديدة. إنّه الشاهد والكاتب فى آنٍ واحد، جزءٌ من الخلق، وامتدادٌ لقدرٍ لا يتكرّر.
وهكذا تنتهى “لعنة الاختيار”، لا بانتصار الدم على الوعى، ولا بانهيار الوعى أمام الجينات، بل بمصالحةٍ خفيةٍ بين الاثنين… مصالحةٍ تُعيد للإنسان معنى أن يكون إنسانًا.
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري