كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى
🕯️ عنوان الفصل الثامن: لعنة الاختيار
🧩 الفصل الثامن – الجزء الثالث
فى كلّ كائنٍ حيٍّ تكمن ذاكرة أقدم من ميلاده، تروى عنه ما لا يعرفه عن نفسه. إنّها الذاكرة الجينيّة التى تُورِّثنا ليس فقط الملامح، بل أيضًا الميول والانجذاب والخوف والرغبة. فكم من إنسانٍ ظنّ أنّه اختار حِرفته بعقله، بينما كانت يدٌ خفيّة من تاريخه السحيق تُرشده إليها دون أن يشعر؟
فالتاجر لا يولد صدفة، كما لا يولد الفنان عبثًا. إنّها سلاسل ممتدّة من التجارب والصفات، تنتقل كما تنتقل الشيفرة فى الدم، لتعيد إنتاج النفس فى صورةٍ جديدة تحمل نَفَس الأجداد ولكن بملامح العصر. لذلك، حين ننظر فى وجوهنا، نرى أطيافًا كثيرةً سكنت قبلنا هذا الجسد. نحن مجرّد فصلٍ آخر من روايةٍ بدأت منذ أول خليةٍ أدركت معنى البقاء.
غير أنّ الخطر يكمن فى من يظنّ أنّ هذه الجينات هى القَدَر المطلق. فكما أنّها تمنح الميول، تمنح أيضًا القُدرة على تجاوزها. الجينات تُمهِّد الطريق، لكنها لا تُغلقه. وإلا لكان الإنسان آلةً مكرَّرة لا روح فيها.
فمنذ أن تعلّم الإنسان أن يقول “لا”، بدأ عصيان الطبيعة الأولى. وهذه الكلمة الصغيرة هى الشرارة التى جعلت له وجودًا مختلفًا عن الحيوان والنبات. هى لحظة الوعى الأولى، حيث يفصل المرء بين ما ورثه وما يختاره. وهنا تبدأ المعركة التى لا تنتهى بين الدم والعقل، بين ما كان وما يجب أن يكون.
فربّ ابنٍ لتاجرٍ يصبح ناسكًا زاهدًا، وربّ ابنٍ لفيلسوفٍ يتحوّل إلى رجل أعمالٍ لا يعرف إلا لغة الأرقام. لأنّ الإنسان حين يقرر أن يُغيّر المعادلة، يكتب سطرًا جديدًا فى كتاب الخليقة، يُعيد فيه تعريف نفسه أمام الكون.
وهكذا، يبقى السؤال الأزلى قائمًا:
هل نحن أبناء ما جُبلنا عليه؟ أم نحن الذين نُعيد خلق أنفسنا كلّ يومٍ من جديد؟
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى






المزيد
لا تقل لا أستطيع ! بقلم سها مراد
على أنغام زمنٍ لم يعد يعاد بقلم خيرة عبدالكريم
شامتي… ودليل البراءة بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد