كتاب شفرة الخلق بقلم الكاتب هانى الميهى
🕯️ عنوان الفصل الثامن: لعنة الاختيار
🧩 الفصل الثامن – الجزء الثانى.
حين يظنّ المرء أنّه اختار طريقه بإرادته، لا يدرك أنّ الكون قد سبقه بالقرار. إنّ الجينات، والظروف، والبيئة، والأفكار الموروثة، تعمل جميعًا كمهندسين خفيّين يصمّمون خريطة مساره قبل أن يخطو الخطوة الأولى. فالطفل يولد فى بيتٍ لا يختاره، ويحمل صفاتٍ لم يسعَ إليها، ويشبّ فى مجتمعٍ يُحدّد له ملامح الخير والشر قبل أن يسأل عنها. فأين يبدأ الاختيار إذن؟
فى الحقيقة، ليست اللعنة فى أن تُجبر على طريقٍ بعينه، بل فى أن تظنّ أنّك سِرت إليه بملء إرادتك. إنّها الخدعة الأعمق فى معادلة الوجود، تلك التى تجعل الإنسان يحارب دفاعًا عن وهم الحرية بينما هو محكومٌ بنظامٍ أعقد من أن يُكسر.
ولعلّ أخطر ما فى الاختيار أنّه يخلق المسئولية. فالذى يختار يتحمّل عواقب ما اختار، حتى لو كان أسيرًا لعوامل لم يصنعها. هكذا يتحوّل الإنسان إلى قاضٍ وجلادٍ فى آنٍ واحد، يُدين نفسه بجرمٍ لم يكن له فيه يد. لذلك، كثيرًا ما يهرب الناس من القرار إلى القدر، ومن الحرية إلى الطاعة، لأنّهم وجدوا فى الاتّباع راحةً من عبء التفكير، وسكينةً من عذاب المراجعة.
ولكن، أليس الاختيار – برغم لعنته – هو الذى يصنع إنسانيّتنا؟ لو كان كلّ شيءٍ مقدّرًا بجمودٍ مطلق، لما وُجدت التجربة، ولا الخطأ، ولا الندم، ولا السموّ الذى يولده السقوط. إنّ القيمة لا تكمن فى النتيجة، بل فى المحاولة نفسها، فى تلك اللحظة التى يتّخذ فيها الإنسان قرارًا وهو يعلم أنّه قد يخطئ، ومع ذلك يمضى.
إنّ الاختيار، مهما بدا مُضلِّلاً، هو دليل الحياة. لأنّ الكائن الذى لا يختار، لا يعيش، بل يُقاد كما يُقاد النهر نحو مصبّه دون أن يعلم أنّه كان يومًا مطرًا.
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى






المزيد
لا تقل لا أستطيع ! بقلم سها مراد
على أنغام زمنٍ لم يعد يعاد بقلم خيرة عبدالكريم
شامتي… ودليل البراءة بقلم الكاتبة بثينة الصادق أحمد