📘 كتاب: شفرة الخلق
✍️ الكاتب: هانى الميهى
الفصل الثالث عشر: حين أفصح القدَر عن نصفه الغامض
الجزء الثانى: الخطّ الذى يسير بنا دون أن نراه
فى عالمٍ غائر داخل الإنسان،
توجد خريطةٌ لا تُرسَم بالحبر،
ولا تُقرأ بالعين،
بل تُترجم عبر سلوكٍ يبدو عشوائيًا…
لكنه فى الحقيقة امتدادٌ لخطّ قديم،
خطّ كُتِب قبل أن يتكوّن الجسد،
وقبل أن يتشكل الوعى نفسه.
هنا، فى هذا العمق الذى لا تطاله يد العلم ولا جرأة الفلاسفة،
تعيش البذرة التى تحدد أين سينحنى القلب، وإلى أين ستجرّنا خطواتنا.
وفى اللحظات الحاسمة، تلك التى يقف فيها الإنسان أمام مفترق طرق،
يظن أن عقله هو من يحسم القرار…
لكن الحقيقة أن العقل لا يفعل سوى تبرير ما حُسم بالفعل.
فالقرار يولد فى منطقةٍ تحت العقل،
تحت الإرادة،
فى طبقةٍ لم نعشها… بل ورثناها.
إن الإنسان لا يتحرك وحده،
بل تتحرك معه ظلال سبقت وجوده،
ظلال أجدادٍ مرّوا بهذه الأرض،
حملوا خوفًا، أو رغبة، أو حلمًا متروكًا…
فانتقلت الشفرة إلى أحفادٍ لم يعرفوهم.
ولذلك تجد رجلًا يهرب من المدن،
كأن فى دمه ذاكرةَ صحراءٍ ورثها من جدّ كان بدويًا،
وتجد آخر يهوى البحر،
كأن موجًا قديمًا ما زال يتردد فى خلاياه،
وتجد ثالثًا يختار الوحدة دون سبب،
لأن سلالته عاشت قرونًا خلف الجدران.
هكذا يعمل نصف القدَر الغامض:
لا يصنعه اختيارك… بل أنت امتدادٌ له.
ومع ذلك، لا يعفيك من مسؤوليتك،
فالكون لا يمنح الإنسان برنامجًا مغلقًا،
بل يمنحه “اتجاهًا مبدئيًا”…
ثم يضع أمامه مساحةً ليمتحن قدرته على إعادة تشكيل نفسه.
إن الحرية ليست فى أن تغيّر كل شيء،
بل فى إعادة توجيه الخط القديم
حتى يصبح امتدادًا لوعيك… لا لظلّ غيرك.
وفى اللحظة التى يدرك فيها الإنسان أنه ليس حرًا بالكامل،
وليس مقيدًا بالكامل،
يبدأ أول درجات الفهم.
فهنا فقط يتعلم كيف يصنع قَدَرَه،
دون أن ينكر جذوره،
وكيف يتجاوز ما وُرث،
دون أن يتمرد على طبيعته ذاتها.
إن نصف القدر الذى نراه… مجرّد سطح.
أما نصفه المخفى،
فهو الذى يكتبنا كل يوم،
وينتظر منّا شجاعة أن نقرأه بدلًا من الهروب منه.
#شفرة_الخلق
#هانى_الميهى






المزيد
ما يشبهك في قلبي بقلم الكاتب هانى الميهى
الجميعُ ثائر بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد
أرض الفيروز بقلم عبير عبد المجيد الخبيري