مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب شفرة الخلق بقلم هاني الميهي

📘 كتاب: شفرة الخلق
الكاتب هانى الميهى
الفصل الثالث عشر: حين أفصح القدَر عن نصفه الغامض
الجزء الثالث: طبقة الردّ… حيث يبدأ الإنسان مفاوضته مع المصير

لم يُخلق الإنسان ليكون رقمًا فى سلسلة،
ولا ظلًّا يمشى فى ظلٍّ أقدم منه…
بل خُلق كائنًا يحمل فى جوفه “هامش اعتراض”
لا يملكه أى مخلوقٍ آخر.
هناك، فى المساحة الرفيعة
بين ما ورثناه وما نختاره،
يقف الإنسان ممسكًا بميزانٍ دقيق،
يضع فى كفّته الأولى نداء السلالة،
وفى الثانية رغبة روحه.
وفى تلك المنطقة ينشأ الصراع.
الصراع الذى لا يُرى فى الملامح ولا الأفعال،
لكنه يُسمع فى الهمسة التى تسبق القرار،
حين يتوقف الزمن ثانيةً واحدة،
لينتظر:
إلى أى طريق ستميل الروح؟
هنا تبدأ مفاوضة القدَر.
فالخطّ القديم — ذلك الذى يجرّ الإنسان نحو ما كتبته الجينات —
يحاول أن يفرض اتجاهه…
لكن الوعى،
ذلك الضوء الصغير الذى وضعه الخالق فىنا،
يقف كحارسٍ لا يسمح للوراثة أن تتحول إلى سجن.
إنّ الوعى ليس سلاحًا…
لكنه “تفسير جديد” لنفس الخطّ القديم.
هو قدرة الإنسان على أن يعود خطوة للوراء،
وينظر لهذا الميل المتوارث بعين فاحصة:
لماذا أحبّ أنا ما أحبه؟
لماذا أخاف مما يخافه غيرى؟
لماذا أتكرر وأنا أظننى أبدأ من جديد؟
وفى لحظة الإدراك هذه،
ينكشف أن الخوف الذى يسكنك
لم يخلقه قلبك،
بل زرعته يدٌ قديمة فى سلالتك.
وأن الرغبة التى تشتهى بها الحياة
ليست مجرد شهوة عابرة،
بل امتداد لعدمٍ أكبر كان أجدادك يهربون منه.
لكن…
هنا يظهر دور الإنسان الحقيقى:
ليس فى أن يكسر الشفرة،
بل فى أن يعيد ترتيبها.
فالقدر ليس جبّارًا كما يظنه البعض،
ولا مطيعًا كما يتمنى الآخرون،
بل هو نصٌّ مفتوح،
لا يكتمل إلا بتوقيع صاحبه.
إن الإنسان حين يقف فى مفترق الطرق،
لا يواجه خيارين فقط،
بل يواجه نفسه…
نسخته القديمة، ونسخته التى لم تولد بعد.
وحين يختار — بإرادته —
أن يخطو خارج الخط الموروث،
فهو لا يعصى القدَر،
بل يمارس امتيازه الخفىّ:
امتياز إعادة خلق ذاته.
وهكذا يدرك — للمرة الأولى —
أن القدر ليس ما يحدث لك فقط،
بل ما تستجيب به أنت لما يحدث.
إنها المنطقة التى تتكوّن فيها إنسانيتك…
حيث لا تُكتب أنت،
بل أنت الذى تكتب.

#شفرةالخلق
#هانى
الميهى