مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ بقلم الكاتب هاني الميهى

الفصل التاسع

حين تخاف النفس من الشفاء

اسم الكتاب:

﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

اسم الكاتب:

هاني الميهى

 

الغريب أن الإنسان لا يخاف الألم فقط…

أحيانًا يخاف الشفاء..

لا لأن الشفاء مؤلم…

بل لأن النفس حين تعيش طويلًا داخل الضرّ

تتعلم شكلًا معينًا للحياة.

ثم يصبح الخروج منه

مخيفًا.

ليس لأن الضرّ جميل…

بل لأنه مألوف.

في النفس،

 

هناك لحظة عجيبة:

حين تقترب النهاية…

لكن القلب لا يصدق.

حين يبدأ الفرج يلوح…

لكن الداخل ما زال متوترًا.

كأن الألم ترك أثرًا عميقًا

يجعل النفس تقول:

“لا تفرح كثيرًا… ربما يعود.”

وهنا يظهر جرح غير مرئي:

 

أن الضرّ لا ينتهي بانتهائه…

بل يحتاج وقتًا

ليغادر الداخل.

الشفاء ليس حدثًا جسديًا فقط…

الشفاء إعادة تعريف.

أن تعود إلى الحياة

بعد أن اعتدت الغياب.

أن تعود إلى الضوء

بعد أن عشت في الظل.

أن تصدق أن الرحمة ليست فكرة…

بل واقع.

 

في الإدارة،

هناك مؤسسة تمر بأزمة طويلة.

ثم تأتي فرصة التعافي.

لكن الإدارة لا تحتفل فورًا…

بل ترتبك.

لأن الأزمة صنعت نظامًا داخليًا جديدًا:

نظام دفاعي.

نظام خوف.

نظام توقع الأسوأ.

 

وهكذا النفس.

النفس التي طالت محنتها

تصبح حذرة حتى من الفرج.

تتعلم أن تتوقع الضربة…

حتى في لحظة السلام.

وهذا ليس ضعفًا…

هذا أثر التجربة.

 

أيوب حين دعا:

﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾

لم يكن يطلب نهاية الألم فقط…

كان يطلب عودة الثقة.

عودة المعنى.

عودة القدرة على التصديق

أن الرحمة ليست بعيدة.

 

الضرّ الطويل يجعل الإنسان يتغير.

ليس فقط خارجيًا…

بل في نظرته للعالم.

 

في البداية، كنت ترى الحياة واسعة.

ثم جاء الضرّ

فضاقت.

ثم جاء الصبر

فصارت الحياة داخلية.

ثم جاء الانتظار

فصارت الحياة سؤالًا.

ثم جاء الشفاء…

فتحتاج النفس أن تتعلم من جديد

كيف تعيش بلا سؤال دائم.

 

وهنا يحدث أمر عجيب:

بعض الناس حين يُشفى…

يشتاق للألم.

ليس لأنهم يحبونه…

بل لأن الألم كان يبرر لهم الانسحاب.

كان يمنحهم سببًا للهدوء.

كان يعطيهم هوية:

“أنا المتألم.”

 

لكن الشفاء يسحب هذه الهوية.

يقول لك:

عد الآن.

تحرك.

واجه الحياة مرة أخرى.

وهذا امتحان جديد.

 

في الواقع العملي،

كثيرون ينجحون في إدارة الأزمة…

لكنهم يفشلون في إدارة ما بعد الأزمة.

 

لأن الأزمة كانت واضحة:

اصبر.

 

أما ما بعد الأزمة فغامض:

كيف تعيش؟

كيف لا تتحول التجربة إلى قيد؟

كيف لا تصبح المحنة سقفًا؟

كيف لا تخاف من الفرح؟

 

وهنا يظهر عمق القيادة الذاتية:

القائد الحقيقي لا يدير الألم فقط…

بل يدير العودة.

يدير المرحلة التي تأتي بعد الضرّ

حين تصبح النفس مطالبة

أن تصدق الرحمة عمليًا.

 

أيوب لم يكن نموذجًا للألم فقط…

بل نموذجًا للعودة.

العودة بلا غرور.

العودة بلا إنكار.

العودة بفهم جديد:

 

أن الإنسان قد يُمس بالضرّ…

لكن لا يُترك.

 

أن الرحمة لا تأتي فقط لإنهاء الألم…

بل لتصنع إنسانًا آخر بعده.

الشفاء ليس رجوعًا لما كنت…

الشفاء ولادة ثانية.

ولذلك تخاف النفس منه…

لأنه يعني:

أنك لن تعود كما كنت.

بل ستعود أعمق.

 

رسالة الفصل التاسع

الضرّ قد ينتهي خارجيًا،

لكن أثره يبقى في الداخل.

الشفاء الحقيقي هو أن تتعلم الثقة مرة أخرى،

وأن تسمح للرحمة أن تصبح واقعًا لا مجرد انتظار.

 

تمهيد الفصل القادم

حين يبدأ الشفاء،

تأتي لحظة أكثر حساسية:

كيف لا يتحول الألم إلى عقدة؟

وكيف يصبح الضرّ رسالة لا جرحًا دائمًا؟

 

الفصل القادم:

حين يتحول الضرّ إلى معنى

 

#ربإنيمسني_الضر

#وأنتأرحمالراحمين

#هاني_الميهى

#الشفاء_الداخلي

#إدارة_الأزمات

#الصبر_وعي

#القيادة_الذاتية

#رحمة_الله