اسم الكتاب: الهارب والمطارد – فلسفة التعلّق والانسحاب
✍️ اسم الكاتب: هاني الميهى
الفصل الأول:
حين يبدأ المطارد دون أن يدري
🔹 الجزء الثاني
أيها القارئ،
حين تطارد أحدًا، فأنت لا تبحث عنه بقدر ما تبحث عن نفسك فيه.
تبحث عن انعكاسك، عن مكانٍ آمنٍ تسكنه بعيدًا عن فوضى داخلك.
لكن الحقيقة القاسية أن لا أحد يصل إلى نفسه عبر طريقٍ يبدأ بغيره.
المطارد يرى في الآخر خلاصه،
يرى فيه ضوءًا، معنى، عودة لشيءٍ افتقده منذ زمن،
فيغفل أنه يمنح قوة فهمه، وسلطة مشاعره، لمن لا يريدها أصلًا.
أتعرف ما أصعب ما في المطاردة؟
أنك تخلط بين الإصرار والعمى.
تظنّ أنك تتمسّك بالأمل، بينما أنت في الحقيقة تتشبث بوهمٍ يرتدي وجه الحقيقة.
تجعل من الردّ رسالة خلاص، ومن التجاهل عقابًا سماويًا،
وتمنح الآخر امتياز أن يكون “مركز الكون” دون أن يدري هو حجم ما تفعله لأجله.
كم من مطاردٍ عاش نصف عمره في انتظار “ردّ واحد”؟
كم من إنسانٍ خسر كبرياءه على أمل أن يُرى؟
لكنّ الحبّ لا يُثبت بالركض، بل بالسكينة.
والقيمة لا تُنتزع بالتوسّل، بل تُفرض بالاحترام.
المطارد الحقيقي ليس من يلاحق الخطى،
بل من يطارد الحقيقة في نفسه:
لماذا أحتاج هذا الحب؟ لماذا أتشبث بمن يبتعد ؟
لماذا أقبل الفتات بينما أستحق الامتلاء؟
كل مطاردٍ صادق سيصل في النهاية إلى سؤالٍ واحدٍ مؤلم:
“هل أُحبّه حقًا؟ أم أُحبّ فكرة أن يحبّني؟”
وهنا تبدأ أولى مراحل النضوج العاطفي.
حين تفصل بين الشعور وبين الحاجة.
حين تدرك أن رغبتك في القرب لا تعني بالضرورة أن هذا القرب مناسب لك.
وأنك لست مضطرًا لإثبات قيمتك عبر نظرة أحدٍ لا يراك.
إنه التعلّق يا صديقي، ذلك السجن الذهني الذي يُلبسك قيودًا من وهم.
تعيش فيه دور البطولة، وتنسى أنك كتبت النص وحدك.
تُعيد قراءة الرسائل القديمة كمن يُعيد قراءة نبوءةٍ ضاعت،
وتقنع نفسك أن الصمت يحمل معنى، وأن الغياب مؤقت،
بينما الحقيقة أبسط من كل هذا:
من أرادك، كان سيبقى.
الهارب قد يهرب جسدًا، لكن المطارد هو من يهرب روحًا.
يهرب من مواجهة الحقيقة إلى خيالٍ صنعه بنفسه،
ومن خيبته إلى قصةٍ جديدةٍ يبرر بها استمرار الجرح.
لكن هناك لحظة، تأتي كالنور في آخر النفق —
لحظة يدرك فيها المطارد أنه لم يُخلق ليُطارد أحدًا،
بل ليُكمل نفسه بنفسه.
حينها فقط، تتوقّف الخطى.
ينسحب من السباق الذي لم يكن يومًا منصفًا،
ويتنفّس حريةً لم يعرف طعمها منذ بدأ الركض.
#الهارب_والمطارد_فلسفة_التعلق_والانسحاب
#هانى_الميهى






المزيد
حين يصبح الصبر قوة بقلم ابن الصعيد الهواري
استراحة أمل بقلم سها مراد
قداسة التفاصيل الصغيرة بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي