مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كتاب أصعب ما كُلّفنابقلم الكاتب هاني الميهي

اسم الكتاب: أصعب ما كُلّفنا

اسم الكاتب: هاني الميهى

الفصل الخامس: الطرق التي لا نهاية لها

الجزء الرابع: الطريق الذي اختار صاحبه

 

لم يكن الطريق من النوع الذي يلوّح للمسافر بعلامات واضحة،

ولا كان يحمل إشارات تخبره بما ينتظره عند النهاية.

كان طريقًا بلا وعود،

وبلا ضمانات،

يمتدّ صامتًا كأنه يعرف أكثر مما يقول،

ويخفي أكثر مما يكشف.

ومع ذلك…

لم يشعر بالخوف كما شعر به من قبل،

بل أحسّ بأن الخطوة التي اتخذها

كانت بداية عهد جديد بينه وبين نفسه،

وكأن الطريق — هذه المرة —

هو الذى اختاره،

لا العكس.

كانت الريح تمرّ خفيفة على كتفيه،

تحمل معها رائحة البدايات،

رائحة تلك اللحظة النادرة التي يفهم فيها الإنسان

أن الأشياء لا تحدث لأننا جاهزون،

بل تحدث لكي نصبح جاهزين.

ولم يكن الطريق يطلب منه سرعة،

ولا قوة،

بل يطلب منه شيئًا واحدًا فقط:

أن يمشي بقلبٍ لا يرتجف،

ولو تعثّرت قدماه.

ومع أنه كان يعرف أن هذا الطريق

لن يعطيه إجابات فورية،

إلا أنه شعر براحة عميقة

تشبه اعترافًا صامتًا من الدنيا

بأنه في المكان الصحيح؛

كأن القدر أراد أن يربت على قلبه

ويقول:

“هذا الطريق لك…

وإن كنت لا ترى ذلك الآن.”

لم يكن المشهد من حوله مختلفًا كثيرًا،

الأشجار هي نفسها،

والسماء تتكرر في كل مكان،

والصخور لا تتحرك،

لكن شيئًا ما تغيّر فيه هو،

شيء لم يكن مرئيًا للعين

ولا قابلًا للتفسير.

لقد صار يشعر بأن الطريق

يُصغي إليه،

ويحمل صوته الداخلي

كما لو كان يترجم خفق قلبه

إلى علامات خفيّة

ت guiding him دون أن يُلاحظ.

وبينما كان يمشي،

تذكّر اللحظات التي كاد فيها أن يستسلم،

أن يعود أدراجه

ويختار طريقًا أسهل،

طريقًا يعرفه الناس

ويصفّقون لمن يسلكه.

لكنه الآن يدرك

أن الطرق السهلة

لا تبني إلا أقدامًا تتعوّد الراحة،

أما الطرق الصعبة

فتبني قلوبًا تتعلّم الصمود،

وتبني أرواحًا تعرف كيف تُشفى

دون أن تُعلن ذلك لأحد.

ولأول مرة

شعر بأن الصبر ليس مجرد فضيلة،

ولا هو كلمة يرددها الناس،

بل هو قوة خفية

تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل،

وتصنع طبقات جديدة من الثبات

ما كان ليبلغها لو أخذ الطريق الأقصر.

وهنا أدرك:

إن الصبر هو ما يجعل الطريق يستقيم،

وهو ما يجعل النهاية — مهما ابتعدت —

تقترب إلى القلب قبل أن تصل إلى القدمين.

اقترب من ملتقى جديد،

وأحسّ بأن الخطوة القادمة ليست اختبارًا،

بل تتويجًا.

فمن يمشي وهو خائف

يمتحنه الطريق،

ومن يمشي وهو واثق

يتحالف معه الطريق،

لكن من يمشي وهو صابر…

يصنع الطريق نفسه.

وعند تلك الحقيقة

ابتسم ابتسامة خفيفة،

غير مرئية،

لكنها كانت كافية

لتعلن نهاية هذا الممر الطويل:

لقد وجد طريقه،

أو ربما…

وجد نفسه أخيرًا.

 

أصعب ما كُلّفنا

هاني الميهى

#أصعبماكلفنا