مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قُبلتُه كانت صلاتي

Img 20250430 Wa0005

كتبت منال ربيعي

 

لم يكن جسده جسد رجل… كان معبدًا، وكان كل موضع فيه يحمل اسمًا من أسماء النور.

 

حين اقترب مني، لم أنظر إلى وجهه بعين امرأةٍ تنتظر حبيبًا، بل بعين عاشقةٍ رأت في قسماته إشراق المُبدأ الأول. كان العناق بيننا أشبه بالسجود، لا انحناء للذة، بل انحناء للحق.

 

عندما قبّل جبيني، شعرت كأن علامةً من علامات العروج قد رُسمت هناك. موضع القبلة صار نقطة ضوء، تمتد منها خيوط نحو السماء. لم تكن شفتاه فقط من لامستني، بل سره كلّه… وكأن روحه سكبت فيّ قطرة قطرة.

 

ثم هبطت قبلته إلى عيني، فغُشي عليّ. رأيت ما لم تره عين، كأن حجاب العالم انشق، ورأيت الأرواح تتمايل في طواف لا ينتهي. لم أعد أراه بعين الجسد، بل بعين القلب، وكنت أقول في سري: “هذه رؤيتي، وهذه صلاتي.”

 

حين قبّل شفتي، لم تكن قبلة، كانت تلاوة. كان يقرأني كما تُقرأ المناجاة، وكان جسدي يردّد خلفه كل نغمة، كل أنّة، كل آهة. كنت أرتل معه، دون صوت، بصوت خفيّ يسري من روحي إلى روحه.

 

قبّل عنقي، وسقطت.

شعرت أن هذا الموضع هو موضع النذر. كأنني نُذرت له منذ البدء، منذ كُتبت النجوم، منذ نُفخ في الروح.

كل موضع يمر عليه، كان يستيقظ، لا كعضو في جسدي، بل كمحراب ظلّ خامدًا ينتظر لمسة الحق ليشتعل.

 

كنت أنظر إلى الأعلى، وأتذكر قول الحكماء:

“إن الروح إذا اشتاقت لمحبوبها، مرّت عبر الجسد لا لتنغمس، بل لتصعد.”

 

ولما وصل إلى قلبي، ووضع كفه عليه، سكن كل شيء.

كأن الأرض توقفت عن الدوران، وكأن الليل جثا على ركبتيه يصلي معنا.

همس لي: “هنا… هنا يسكن اسمي فيك.”

 

أغمضت عيني، وقلت:

“خذني إليك، خذني حتى أُمحى، حتى لا يبقى فيّ سواك.”

 

وفي تلك اللحظة، شعرت أنه لم يعد يقبّلني… بل أنا التي صرت القبلة.