بقلم/ عبدالرحمن غريب
المعركة الشهيرة والأقوى في القرن التاسع عشر، وتُعد نقطة فاصلة وواضحة في تاريخ الوحدة الإيطالية، إذ مهدت الطريق نحو تحقيق الحلم الإيطالي. فبرغم المحاولات السابقة لتوحيد البلاد، إلا أن تلك المرة شهدت وقوف جميع الولايات صفًا واحدًا.
القصة تدور حول معركة قوية بين النمسا ومملكة بيدمونت التي كانت تقود إيطاليا آنذاك، بمساعدة حليفتها فرنسا.
الأمر ببساطة أن إيطاليا لم تكن دولة موحدة؛ بل كانت مقسمة إلى ثلاثة أجزاء:
1. مملكة نابولي في الجنوب، وكانت خاضعة لفرنسا.
2. الشمال تحت حكم مملكة بيدمونت، وهي أقوى الولايات، وكانت تضم البندقية ولمبارديا وتمتد إلى جبال الألب حتى البحر الأدرياتي.
3. روما والفاتيكان، وكانت فرنسا ترغب في أن تبقى تحت حكم البابوية، بينما ظلت بعض الولايات الأخرى تحت حكم النمسا.
كان لدى الإيطاليين هدف موحّد، وهو تحقيق وحدة البلاد، وقد اقتربوا من ذلك الحلم بعد معركة سلفرينو. والآن لنروي القصة:
كانت مملكة بيدمونت تسعى لتوحيد إيطاليا بقيادة الملك “فيكتور إيمانويل”، إلا أن الحل الوحيد الذي وجده رئيس وزرائه “كافور” هو الدخول في حرب ضد النمسا.
عُقد اتفاق سري مع الإمبراطور الفرنسي “نابليون الثالث” في حمامات بلوسير، يقضي بـ: “تطهير إيطاليا من النفوذ النمساوي وإنشاء ممالك مستقلة.”
وافق نابليون الثالث على الاتفاق بشرط أن يتزوج الأمير “جيروم نابليون” من “كلوتيلدا”، ابنة فيكتور إيمانويل. وافق الجميع، فدخول فرنسا كحليف لإيطاليا كان كافيًا لشدّ ظهر الإيطاليين.
لم يفعل نابليون الثالث ذلك حبًا في إيطاليا، بل لتوسيع نفوذه وتمجيد سلطته. وكان الهدف أن تبدأ النمسا الهجوم، حتى تظهر إيطاليا أمام أوروبا في صورة الدولة المعتدى عليها، مما يتيح لفرنسا دعمها بالسلاح والعتاد.
بدأت كل الولايات الإيطالية الاستعداد للحرب، لا بيدمونت وحدها، وقال فيكتور إيمانويل: “الملوك والجمهوريات على السواء يهدفون إلى الوحدة”، في إشارة إلى أن الشعب والقيادة في خندق واحد.
النمسا كانت تدرك تمامًا أن الإيطاليين يسعون لتوحيد بلادهم، لذا اتبعت معهم سياسة “فرّق تسد”، وهي النظرية التي ابتكرها “فيليب الثاني المقدوني” للانتصار على خصومه من خلال تفريقهم.
أرسلت النمسا إنذارًا إلى بيدمونت يوم 13 أبريل 1859 تطالب فيه بتسريح الجيش وترك الأسلحة خلال ثلاثة أيام، وإلا فستُعلن الحرب.
وهذا كان بالضبط ما أراده كافور.
في 26 أبريل 1859 أعلنت النمسا الحرب على بيدمونت، لكن ولايات إيطالية عديدة مثل مورينا وبارما ورومانيا وأوكرانيا أعلنت انضمامها لبيدمونت، وخاضوا الحرب بقيادة فيكتور إيمانويل، بمشاركة الجيش الفرنسي.
والنتيجة:
هزيمة ساحقة للنمسا بسبب:
ضعف الاستعداد العسكري.
الاستهانة بقوة الإيطاليين.
ضعف خطوط الإمداد.
غياب الروح القتالية.
أُجبر الجيش النمساوي بقيادة “جولي” على إعلان الاستسلام.
نتائج المعركة:
تأسيس هيئة الصليب الأحمر لمساعدة الجرحى، وكان مؤسسها “هنري دونان”.
دخول نابليون الثالث وفيكتور إيمانويل إلى لمبارديا دخول المنتصر.
قال “مازيني”: “لقد انتهى حكم النمسا لإيطاليا.”
لكن للأسف لم تدم الفرحة طويلًا، فبمجرد أن رأى نابليون الثالث ميدان القتال والجرحى قرر التراجع، واتفق مع النمسا على هدنة دون الرجوع إلى فيكتور إيمانويل.
عُقد الاتفاق بين نابليون الثالث و”جوزيف” حاكم النمسا في 11 يوليو 1859، ووُصفت فرنسا بالخيانة. لكن بعض المؤرخين برروا موقف نابليون الثالث بما رآه من أهوال المعركة، بالإضافة إلى انتشار وباء الكوليرا بين الجنود الفرنسيين.
وقّع الطرفان معاهدة زيورخ 1859م، والتي نصّت على:
تنازل النمسا عن لمبارديا لبيدمونت.
اتحاد إيطاليا تحت زعامة البابا.
بقاء البندقية تحت الحكم النمساوي.
رفض الشعب الإيطالي هذه المعاهدة، وانقلب على نابليون الثالث. واستمرت المواجهات والحروب حتى تحقق حلم الوحدة الإيطالية عام 1866، وأصبحت إيطاليا دولة موحدة.
أما عن باقي المعارك التي قادت لتحقيق هذا الحلم، فسنحكيها في المقال القادم…






المزيد
وجهك الآخر على الشاشة: كيف غيّرت وسائل التواصل مفهوم الذات؟
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم