بقلم/ عبدالرحمن غريب
اليوم سنتحدث عن قصة قديمة في التاريخ اليوناني، عن أقوى وأعنف مدينة في اليونان كلها: “مدينة إسبرطة”. تم إنتاج العديد من الأفلام والقصص عنها، لكن الحكاية هنا تختلف، لأننا سنتناول المدينة من جميع جوانبها: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، وهي المجالات التي تميّزت فيها إسبرطة.
فلنبدأ الحكاية…
الموقع:
تقع إسبرطة جنوب اليونان في شبه جزيرة البلوبونيز، عند نهر الأوروتاس. ويتميز الإقليم بخصوبة تربته، مما جعل الزراعة العامل الاقتصادي الأهم والأساسي لإسبرطة. حتى الشخصية الإسبرطية تميل إلى النمط الزراعي، متمسكة بالعادات القديمة، ولا تحب التطوير والتجديد.
تتكوّن المدينة من خمس قرى، ثم اتّحدت لتشكّل مدينة واحدة كبيرة تُعرف باسم “إسبرطة”. وفي عصر ازدهارها، كانت تنقسم إلى خمسة أحياء.
التكوين الاجتماعي:
يتكوّن المجتمع الإسبرطي من ثلاث طبقات:
طبقة العبيد، وتُعرف باسم الهيلوتيون
طبقة التابعين، وتُعرف باسم البيريؤكي
طبقة الأحرار، وهم الإسبرطيون الأحرار، أصحاب السيادة والحقوق الكاملة في المجتمع
النظام الملكي:
يتكوّن الحكم في إسبرطة من أربع جهات رئيسية:
1. الملكية:
تحكم إسبرطة بنظام ملكي مزدوج، أي بوجود ملكين في نفس الوقت، يتمتعان بنفس الحقوق والامتيازات. الفكرة من وجود ملكين هي أنه في حال نشوب حرب، يقود أحدهما الجيش، بينما يبقى الآخر في المدينة لحمايتها والإشراف على الشؤون الداخلية.
2. مجلس الجيروزيا:
يتكوّن من 30 عضوًا من الأسر الأرستقراطية، بشرط ألا يقل عمرهم عن 60 عامًا. يتم انتخاب الأعضاء عن طريق التهليل والصياح عند الموافقة، والصمت عند الرفض. كما يُعتبر الملكان عضوين دائمين في هذا المجلس. هدف المجلس هو تقديم الاستشارات للملوك في القضايا السياسية. وغالبًا لا يُرفض رأي الملك، خصوصًا في وقت الحرب، لأنهم قادة عسكريون أيضًا.
3. مجلس العامة:
يتكوّن من مواطنين لا يقل عمرهم عن 30 عامًا، ويصل عددهم إلى 20 ألف عضو. لكن لم يكن لهذا المجلس تأثير سياسي كبير، ولا يُسمح له بمناقشة أي قضية قبل الرجوع لمجلس الجيروزيا والحصول على إذنه.
4. هيئة الإيفوريه:
المعلومات حول هذه الهيئة قليلة، لكن يُعتقد أنها أُنشئت بسبب الصراعات بين الأرستقراطيين والعامة. تتكوّن من خمسة أعضاء، يمثل كل منهم حيًّا من الأحياء الخمسة في إسبرطة. وتستمر عضوية الفرد عامًا واحدًا فقط، حيث يتم تغيير الأعضاء سنويًا. مع مرور الوقت، ازدادت سلطة الهيئة، حتى باتت تراقب سلوك الملوك في السلم والحرب، وتُعاقب من يخالف القانون، بل وتقدمه للمحاكمة.
الحياة الاجتماعية:
اشتهرت إسبرطة بنظامها العسكري القاسي. فعند ولادة الأطفال، يقوم الأطباء بالكشف عليهم، فإذا كان الطفل ضعيف البنية أو يعاني من مرض، يُلقَى به من فوق الجبل ليموت، لأن الإسبرطيين لا يقبلون بوجود الضعفاء في مجتمعهم. أما إذا كان الطفل سليمًا، يُعتبر جديرًا بأن يكون مواطنًا إسبرطيًا.
وعند بلوغه سن السابعة، يُنتزع من والدته، ليبدأ تدريبه العسكري في مؤسسات متخصصة، تؤهله ليكون جنديًا قويًا. فعند إسبرطة، الضمان الوحيد للاستمرار والحماية هو الجنود ذوو البنية القوية.
وفي سن العشرين، يُسمح له بالزواج، لكن يظل مقيمًا في المعسكرات حتى سن الثلاثين، ولا يُسمح له بزيارة أسرته إلا في أوقات متباعدة. هكذا يتشرب الحياة العسكرية حتى يصبح ولاؤه كاملًا للدولة والملوك.
ولم يكن التدريب مقتصرًا على الذكور فقط، بل كانت الفتيات أيضًا يتلقين تدريبات بدنية قاسية، والهدف منها إعداد نساء قويات لإنجاب أطفال أقوياء، ينشؤون على حب الوطن.
وُضع هذا النظام الكامل – من نظام الحكم إلى تفاصيل الحياة العامة – بواسطة الملك “ليكورجوس”، ويُعد من أبرز الشخصيات في تاريخ إسبرطة.
نظام الموائد العامة:
كان على كل مواطن إسبرطي دفع مبلغ مالي معيّن للدولة سنويًا، من أجل تنظيم موائد عامة خلال العام، يجتمع فيها الجميع دون تمييز، ويتناولون نفس الطعام والشراب، في دلالة على المساواة الاجتماعية.
الخاتمة:
قصة مدينة إسبرطة مليئة بالإثارة والعِبر. تعلّمنا منها أن القوة الجسدية تمنح الروح طاقة، والعقل ثقة. لكنها – للأسف – أهملت الجانب العلمي والثقافي، الذي يُنير العقول. ورغم عدالة النظام الاجتماعي فيها، إلا أن إهمالهم للعلم كان من أبرز عيوبهم.
ما أجمل أن يجلس الغني والفقير على مائدة واحدة دون تكلّف أو تفاخر. هذا هو العدل الحقيقي. إسبرطة مدينة تملك الكثير لنتعلم منه،
خاصة في قوة النظام، والعدالة، والأهم: الصلابة العسكرية.
وهنا تنتهي حكاية إسبرطة.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي