مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

لقاء لا يُشبه اللقاء – الكاتبة دلال أحمد

        “لقاء لا يشبه اللقاء”

بقلم : دلال أحمد
في صباح شتاءٍ بارد، ومن إحدى أرصفة محطة فينسيا،
حيث تقف هي، تنتظر قدوم القطار، متأملة أن يحمل معها أحلامها، وأن يهربها من صخب الواقع،
تاركة خلفها رتابة الأيام، حيث لا شيء يربكها سوى مغازلة النسيم لخصلات شعرها الكستنائي التي تنساب فوق كتفيها، متمردة، تعبق بالحكايات، وعيناها الرماديتان كبحر غامض لا يظهر قاعه.. من يحدق فيهما يُبتلع.. لا منجي منهما ولا عودة!
وعلى بعد خطوات، وفي انتظار نفس القطار، يقف شاب أربعيني، يبدو عليه الرتابة وحكمة الأيام ونضج السنون،
شعره كليل قاتم، إكحل سواده، ملامحه تبدو عليها خشونة رجل شرقي.
وفي حين قدوم القطار، وفي لحظة اتجاه كل منهم نحو باب القطار الذي يقابله، تقاطعت نظراتهم لوهلة.. مجرد لحظة صامتة.. لا تشبه لقاء ولا تعارف.. فقط صدفة لا تنوي البقاء.
وداخل القطار، تقاطعت الطرقات، وبطبعه الشرقي ساعدها لوضع حقيبتها، فبادرته بالشكر، واستقلت المقعد إلى جواره.
كان هو ملتزمًا للصمت، محدقًا في إحدى الكتب العلمية التي يقتنيها، غارقًا بين سطورها، أما هي، فكانت تشعر بدفء نحوه، كأن أرواحهما قد خططا لتلك الرحلة سويًا..
استخدمت شجاعتها المعهودة، وبادرته بسؤاله: هل أنت عربي؟
فأجابها مبتسمًا: ولم خطر ببالك العربي؟
قالت: ملامحك… فيها شيء مألوف، يشبه الحنين، أو كأنك خارج من حكاية قديمة أعرفها دون أن أتذكّرها.
قال لها: أنا رجل أحمل وطنًا بداخلي، وأحيا ببلدة أسوارها جسدي، ولا أخشى شيئًا سوى النساء.
قالت متعجبة: وما فعلن النساء؟
فأجابها: إذا سُلمن مفتاح القلوب لا يرحمن.. أخشى أن تقتحم إحداهن مدينتي المرتبة، ثم ترحل، تاركة خلفها الكثير من الفوضى تسكنني.
فقالت له: هل نجرب شعور الفوضى؟
أقصد، أي محطة تقصد؟
قال: أنا ذاهب إلى روما.
فتعجبت: هل تذهب مدينة الحب لتهرب منه!!
سألها: أنتِ، أين تذهبين؟
قالت: أنا ذاهبة إلى فلورنسا، مدينة الألوان، لأتنفس حريتي في أزقتها، وأترك روحي ترقص على أرصفة الفن.
وبينما اقتربت محطتها، بدأت الفوضى تدب بداخلها، وأسرعت تخبره: أن في حياة كل رجل هناك امرأة.. امرأة واحدة فقط تقتحم مدينته، لكن ليس لإحداث فوضى ثم تركها، إنما لسكب بعض الألوان على جدران مدينته، فالفُرَص لا تأتي سوى مرة.
ثم نهضت، وسألته: هل ننزل سويًا؟
فأجابها مترددًا: ليست محطتي.. ربما تلحقين بي.
قالت له: ربما لن تتكرر الفرصة، ولكن إن تكررت، أتمنى أن تكون أكثر شجاعة من الآن.
ثم قصدت طريقها، فقال لها: ألم تخبريني عن اسمك؟
قالت له: في المرة القادمة!!