مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قساوة الظروف وبلاغة الحكمة الإلهية

Img 20241013 Wa0122

 

كتبته: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري. 

 

في مسرح الحياة، نُدفع إلى أدوار لم نخترها، نواجه مشاهد لم نكتب سيناريوهاتها، نقف تحت أنوار القدر وهي تسلط علينا أضواءً حارقة من التجارب القاسية. نُرمى أحيانًا في دوامات من الشك والتساؤل، لماذا نحن؟ ولماذا الآن؟ ولكن خلف هذه الغشاوة من الألم والخوف، هناك يد خفية تسوقنا نحو مصائرنا بحكمة بالغة.

 

الله، في عليائه، ينسج لنا من خيوط الظلام حكمة تنير عتمة قلوبنا. فالظروف التي نظنها لعنةً هي في حقيقتها أبوابٌ إلى نورٍ لم نكن لندركه دونها. تلك الأزمات التي تحطمت على صخورها أحلامنا، كانت تصقل نفوسنا وتطهر أرواحنا من الوهن. هي ليست محض صدفة، بل هباتٌ إلهية جاءت في ثوب محنة، تُهيئ لنا ما لا نستطيع فهمه إلا بعد حين.

 

في رحلتنا مع هذه الظروف، نقابل الضعف فينا ونكتشف القوة التي لم نعلم بوجودها. حينما يقسو الزمان علينا، يعطينا الله مفاتيح الصبر والحكمة، مفاتيح لا تُفتح بها الأبواب إلا بعد طول انتظار. وهكذا، يتحول الصبر من مجرد فضيلة إلى سلاح، يحمينا من الانكسار، ويزيدنا قوة أمام المواقف التي تبدو في ظاهرها أشبه بالجبال الراسية.

 

ولله في أقداره حكمة لا يدركها إلا من اختبر عمق الألم ومرارة الصبر. فالظروف القاسية تصنع منا رواداً على درب الحياة، ترسخ فينا إيمانًا بأن الله لا يتركنا نتخبط في الظلام إلا ليُرينا النور في النهاية. كل موقف قاسٍ، وكل تجربة مرة، هي درجات نصعد بها نحو النضج والتعقل، نحو القوة التي لا تُكتسب إلا بالمعاناة.

 

وكم من روحٍ أشرقت بعد أن ظنت أن الليل لن ينقشع، وكم من قلبٍ اهتدى إلى اليقين بعدما تاه في متاهات القلق والخوف. إن لله أقداراً لا نراها إلا بعد أن تذوب قلوبنا في بوتقة الابتلاء، فتخرج منها أكثر نقاءً، وأكثر حكمة. في كل جرح يلتئم درسٌ جديد، وفي كل دمعة تُذرف، هناك رسالة من الله تقول: “لا تجزع، فأنا معك، أُعدك لما هو أعظم، وأمنحك من قوتي ما يجعلك تشرق بعد ظلامك.”

 

ختامًا، علينا أن نتذكر دائمًا أن القسوة التي نعيشها ليست النهاية، بل هي بداية لمرحلة جديدة من النضج والتفتح. الله لا يضعنا في مواقف إلا ليرفعنا بها، ليعلمنا أن الألم هو السبيل إلى الحكمة، وأن كل تجربة نمر بها هي جزء من خطة إلهية أعظم، تكتب نهايتها دائمًا بنصرٍ لا يُرى إلا بعد صبر طويل.