كتبت: زينب إبراهيم
كانت هناك فتاة دؤوبة في عملها للغاية، فهي كانت تعمل صحفية لدى دار نشر مرموقة وبجانب عملها تكتب كتب تنمية بشرية وأخرى تعالج قضايا هامة؛ لكن مع ذلك والدتها تقلق عليها بشدة، فهي في سبيل تشيد نجاحها تغفل عن حياتها ولا تقبل بالارتباط بأي شخصًا وإكمال حياتها معه؛ لأنها ترى أن الزواج قيد وأسر لتفوقها وحريتها، بل وتفتعل الأسباب لكل شخص يتقدم لها وفي يوم ما جاءت أمها إليها: ابنتي أود الحديث معكِ قليلاً، فأردفت الفتاة: تفضلي أمي ما الأمر؟
الأم: ابنتي الغالية أود الاطمئنان عليكِ قبل رحيلي منذ أن توفى والدك من فترة طويلة وأنتِ تنهكين نفسك بالعمل ليل نهار ولا تأخذين قسطًا من الراحة غير ذلك العمر يسرق منكِ دون أن تشعرين،، احتضنت الفتاة والدتها في حب وقالت: أطال الله عمركِ يا أمي وحفظكِ لي، أنتِ تعلمين رأيي في ذلك الأمر لا تضغطي علي أرجوكِ لا زال لدي ما أطمح لتحقيقه قبل ولوجي إلى ذلك الأسر؛ لكن نال حديثها انزعاج والدتها ولم تقبل به، فهي بالنهاية أم وتخشى على صغيرتها من الدنيا لا تستطيع مهواجهتها بمفردها قوتها لا تكفي لذلك.
الأم: طريق النجاح لديه نهاية ويتوجب عليكِ أن تصدقين ذلك وتنصتِ إلي تلك المرة لن أتركك؛ إلا وأنتِ جالسة مع ذلك الشاب، وإن كان جدير بكِ ستكملين خطبتكِ معه؛ فكان من الفتاة بعد إلحاح من أمها أن توافق على مضض، وهي تمقت فكرة الزواج تحت بند تأسيس بيت، وهدم آمال، والحكم عليها أن تظل حبيسة الخزانة.
ومرت الأيام وجاء اليوم المرتقب زيارة العريس لهم، كان المنزل يعملون فيه على قدم وساق؛ لأجل ذلك الخطيب المجهول، ولكن الفتاة في نفسها كانت تعلم كيفية جعله يرفضها ولا يكمل تلك الخطبة في ذات الوقت لن تحزن والدتها وأعمامها الذين لا يبحثون عن راحة الفتاة في الزواج ما دام الرجل يستطيع أن يكفي منزله ولديه دخل ثابت وعائلته ذات حسب ونسب لا يرفض بأي شكل كان وإن كانت الفتاة تأبى الارتباط به تصفع رأسها في أقرب حائط لها لا يكترثون لشيء؛ سوى مصلحتها على حد قولهم، فإن كانت الشروط مستوفية في ذلك الشاب تمت الخطبة رغم أنفها.
الأم: لتكوني عاقلة اليوم يا ابنتي أنه شاب مهذب ومجتهد في عمله لا يعيبه شيء، فأومأت الفتاة لها علامة على القبول لتنهي جدال عقيم لا جدوى منه؛ لكنها في ذاتها عزمت على إتمام مخططتها، فلن يقف في وجه نجاحها شيء وإن كان ذلك الشاب مجتهد هي أكثر مما يظنها مجرد زوجة تجلس في منزله تراعي اولادها وترى شؤون البيت ومتطلباته من مأكل وما شابه؛ لأنها متفوقة في عملها ولا تقبل من يقلل منها أو من أحلامها مطلقًا، بل وكل ذلك يدفعها للمحاربة في معركة هي الظافرة بها بالتأكيد مهما كلفها الأمر.
جاء الشاب ومعه والدته جلسا وتعارفا تمت المباركات بين الجميع وتقدم الشاب لخطبة الفتاة، الجميع رأوه جدير بها؛ لأنه ونعم الزوج الذي سيحافظ عليها ويضعها في عينيه، لكن الفتاة لم تر ذلك وبعدما جلسا بمفردهما والعائلة على مقربة منهم قال الشاب: ما رأيك بي؟
أجابته بنظرة ثاقبة وأردفت: هل أنت ملتزم مع ربك في العبادات كالصلاة، صوم رمضان والنوافل إن كان باستطاعتك، بر بوالديك، تعاملك مع جيرانك وعائلتك حسن أم يحتاج للإصلاح؟
ابتسم الشاب قائلاً: الحمدلله دائمًا وأبدًا إنني على درجة كبيرة من الالتزام في كل ما ذكرتيه وسيرتي كذلك طيبة مع الجميع الغريب قبل القريب، فكانت الفتاة معجبة بثقته ورده الذي نال استحسانها؛ لكن أرادت التأكد من آخر نقطة والتي تكون على درجة عالية من الاهتمام بالنسبة إليها: آخر سؤال أود طرحه عليك هل تقبل أن تكون زوجتك ناجحة ومتفوقة في مجالات عدة؟
أجابها الشاب باعجاب لتفكيرها: بالطبع ما دامت لم تقصر في شؤون المنزل من كافة شيء، فأنا من المحبذين لنجاح شريكة حياتي؛ حتى تستطيع في المستقبل تنشئة أولادي بطريقة سليمة ودراسة ممتازة، فإن كانت على دراية قليلة بخبرة الحياة وليست فحسب في التعليم قد يعيق ذلك تعليمهم ويكون متدني؛ حتى وإن كنت أنا معهم، فهم يحتاجون لأم متفتحة العقل ومتعلمة ليدركون كل ما تقوله لهم ويستفسرون عنه، فكانت دهشة الفتاة هي التي تعم المكان؛ لأنها لم تصدق أن هناك أناس يفكرون هكذا، فكل من تقدم لخطبتها لا يكترثون لنجاحها أو لأي شيء؛ إلا جلوسها بالمنزل فقط والقيام بمهامها، لكن ذاك الشاب نال موافقتها وإعجابها بشكل كبير؛ حتى أنها تناست فكرة الامتناع عن الزواج تمامًا، ولما تروي بتلك الطريقة وهو من سيعينها على استكمال سبيل النجاح الذي شيدته؟
استفسر الشاب عن صمتها قائلاً: ما الأمر؟ هل أنتِ بخير؟ لماذا تصمتين هكذا أم لم يعجبك حديثي؟
الفتاة باستحياء: على العكس تمامًا أنت لم تقل أي شيئًا خاطئ وكل حديثك في غاية الأهمية والجمال يا ليت جميع الشباب يفكرون مثلك، فلا يرون الفتاة مجرد خادمة ومربية للأطفال فحسب ولا يتوجب عليها الحلم أو بناء نجاحات تضاف إلى حياتها وأثرها فيما بعد.
ابتسم لها الشاب مؤيدًا على حديثها وتمت الموافقة من قبلها عليه وقالت في نفسها: الحمدلله دائمًا وأبدًا الذي من علي بزوج صالح وقرة عين لي ولأولادي في المستقبل الذين سيشكرونني على اختيار والدًا لهم كهذا الذي يراعهم ويرى مستقبل باهر لهم ولا يقبل؛ إلا بكل شيء مناسب وممتاز لهم في حياتهم، حتى أنه يحترم ويقدر نجاح والدتهم ولا يهينه أو يقلل منه؛ إنما هو من يستحق أن يقال عنه ” رجل ” بكل معنى الكلمة، فهو حقًا قرة عيني وجنتي على الأرض الذي عوضني الله به عن فقدان والدي.






المزيد
خيبة ظن مجدداً بقلم أسماء علي محسن
سأبقى أسيرُ إلى الحلمِ مبتسماً بقلم اماني منتصر السيد
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم هانى الميهى