مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

قد يُـصلح المكســور….لكنــه لا يعــود كما كان بقلم شــاهينــاز مــحمــد زهــرة ـ الليــل

قد يُـصلح المكســور….لكنــه لا يعــود كما كان.
 گ:شــاهينــاز مــحمــد زهــرة ـ الليــل
———————————-
ما أبشعَ أن يُكسَرَ الشيءُ في صمت،
ثم يُطالَبُ بعد ذلك أن يبدو طبيعيًّا،
أن يقفَ في مكانه كأن شيئًا لم يحدث،
أن يحملَ ملامحه القديمة،
بينما في داخله
ألفُ شقٍّ لا يراه أحد.
هكذا كانت بعضُ الأرواح…
تُشبه هذا الفنجان؛
ملامحُها رقيقة،
نقوشُها هادئة،
وتفاصيلُها تُوحي بأنها خُلقت للحبِّ والطمأنينة والدفء،
لكنَّها مرَّتْ من يدِ الحياةِ على نحوٍ قاسٍ،
فلم تتركها سليمة،
بل تركت فيها كسورًا دقيقة،
لا تُسقِطُها…
لكنها لا تُبرِئُها أيضًا.
ما أقسى أن يُرمَّم الإنسان،لا لأنَّه شُفي،
بل لأنَّه اضطرَّ إلى النجاة.
أن يجمعَ نفسَه بخيوطٍ من صبر،ويربطَ شتاتَه بأسلاكٍ من صمت،
ويُخبِّئ وجعَه تحت هيئةٍ تبدو للناس عاديّة،
في حين أنَّه في الداخل
يئنُّ كلما اقتربت منه ذكرى،
أو لمسته يدٌ،أو أعادته الحياةُ إلى المشهدِ الذي انكسر فيه أول مرة.
وفي الصورة شيءٌ أكثرُ إيلامًا من الكسر نفسه…
أنَّ الترميم لم يَعُدْ فنًّا للشفاء،
بل صار شاهدًا على ما حدث.
فالندوب هنا لم تُخفَ،بل بقيتْ واضحةً،
كأنَّ الأشياء المكسورة حين تُجبَر،لا تعود كما كانت،بل تتحوّل إلى اعترافٍ طويلٍ بالألم.
حتى الملعقةُ لم تنجُ.
كأنَّ الوجع لم يكتفِ بما نحتسي به الحياة،
بل امتدَّ إلى ما نغرف به ذكرياتنا أيضًا.
فلا الفنجانُ عادَ فنجانًا،ولا اليدُ التي كانت ترفعه عادتْ هي اليد ذاتها.
بعضُ الكسور لا تصنعُ الضجيج،لكنها تغيّر كلَّ شيء.
تجعلُ القلبَ أكثرَ حذرًا،والروحَ أقلَّ اندفاعًا،والعينَ أكثرَ فهمًالما وراء الوجوه،وتجعل الإنسان،وإن ضحك،
يشبه شيئًا تم إصلاحه على عجل
كي يستمر…
لا كي يعيش.
ومع ذلك،
ثمة جمالٌ حزينٌ في هذا المشهد…
جمالُ الأشياء التي لم تمت رغم هشاشتها،
التي قاومت سقوطها الأخير،
وقبلت أن تبقى
ولو بنسخةٍ مثقلةٍ بالشروخ.

لأنَّ بعضَ الأرواح
لا يُنهيها الانكسار،
بل يُعيد تشكيلها بطريقةٍ موجعة،
فتصير أعمق،
وأهدأ،
وأشدَّ غموضًا،
وأقلَّ تصديقًا لكلِّ ما يلمع.

وهكذا نحن أحيانًا…
أكوابٌ أنيقة من الخارج،
لكننا في الداخل
مخيطون بخيباتٍ كثيرة،
ومرمَّمون بليالٍ طويلة،
ومثبتون بخيوطٍ لا يراها أحد
سوى الله…

وسوى الذين انكسروا مثلنا.