ما العدالة؟
هل هي أن يُعطى كل ذي حقٍّ حقه؟
أم أنها أن يُعطى من نراه على حقّ؟
هل العدالة أن تُوزّع بالتساوي، أم أن يُعطى كلٌّ بقدر ما يستحقه؟
دائمًا حين نخوض في المفاهيم المجرّدة، نجد أنفسنا وسط دوّامة الفلسفة.
فالمعاني تبدأ في الذوبان كلّما حاولنا الإمساك بجوهرها، ويغدو المعنى مراوغًا كلما اقتربنا منه.
تأمل رجلًا يقسّم مالًا أو إرثًا بين أفراد بيت واحد، أو موظفي شركة واحدة، بالتساوي…
ثم يصرخ قائلًا:
“ألم أكن عادلًا؟! لقد ساويت بينهم، ولم أظلم أحدًا!”
لكنه دون أن يدري ارتكب ظلمًا باطنا باسم العدل.
فحين ساوى في العطاء، تجاهل التفاوت في الجهد والكدّ، وأطفأ نور الاجتهاد، وبارك الكسل باسم المساواة.
فهل المساواة دائمًا عدالة؟
أم أنها أحيانًا صورة زائفة من الإنصاف؟
قد يراك الناس عادلًا، وربما ترى نفسك كذلك،
لكن ما مقياس العدل في ذاته؟
ومن الذي يُحدده؟ العقل؟ القلب؟ أم أعين الناس؟
عندما تُعطي الجميع بالتساوي، فأنت دون أن تشعر تساوي بين اجتهاداتهم، بين من بذل ومن أهمل، بين من جاهد ومن تكاسل،
وهذا ظلم خفي.
لكن في مقام الأبناء…
هل تعطيهم بقدر محبتك؟
أم تساوي بينهم وإن مال قلبك لأحدهم أكثر من غيره؟
إن أعطيتهم بقدر محبتك، فقد جرحت الباقين، وأشعلت الغيرة في قلوبهم.
وإن ساويت بينهم، أخفيت ظلمًا في نواياك.
وهنا يتضح الجوهر:
يجب أن نفرّق بين منزلة الأشخاص في القلب، ومقدار جهدهم في الواقع.
في الحب… يجب أن نسوي،
وفي العطاء المرتبط بالعمل… يجب أن نُفاضل.
فالمساواة في الحب تحفظ القلوب،
والتفاضل في الجهد يزرع الاجتهاد.
وكلاهما رغم التناقض الظاهر يصبّ في جوهر العدالة.
إذًا، العدالة ليست طبقة واحدة،
ولا فكرة سطحية نرفعها كالشعارات،
بل هي مفهوم عميق، متعدّد الطبقات،
يتوسع ويكشف عن وجوه متناقضة حين نغوص في معناه.
العدالة لا تعني أن يُعامَل الجميع بالمثل،
بل أن يُعامَل كلٌّ بما يستحقه حقًا،
وفي ذلك… تكمن عدالتها الحقيقية






المزيد
البعدُ قتال بقلم مروة الصاوي علي عبدالله
لـو كـان بإمكانـي بقلـم الكـاتبـة نُسيـبة البصـري
أنت وأنا، بشر بقلم مريم أشرف فرغلي