كتبت: ندا محمود أبو المجد
يمضي المرء أكثر من ثلثي عمره في الطريق، ولعل أغلب أحداث حياتنا تحدث في الطريق، نمشي، نركض، نهرول، نتعثر، نجر أقدام الخيبة، أو نحلق كفراشات هربت من الجاذبية، تمتزج رائحة الطريق رغمًا عنا بذكرياتنا ويصبح السائقون؛ كالكومبارس الصامت الذي بدونه لن يكتمل المشهد، ولرغبة مني في تذكر كل لحظة أمضيتها من عمري وكل خطوة من شأنها أن تخط اللون الرمادي على جدائلي السوداء، وتترك الشمس بها قبلات على أنفي وجبيني، وتنحت دموعي وابتساماتي أثرها بوجهي، قررت أن أشارك في ذلك كله واكتسبت هواية جديدة عوضٌ عن صخب الأغاني الذي سيفقدني الكثير من لحظات عمري.
أصبحت أنسج القصص والحكايات، أختار طرقًا جديدة بكل مرة، وأنوع من وسائل ذهابي وإيابي، وللحق لم تخذلني تلك الطريقة أبدًا في ألا أشعر بالوحشة أو الوحدة؛ فكثير ما رافقتني ابتسامات المارة من عجائز أو قبلات طائرة من أطفال وإن حالفني الحظ كثيرًا، فربما يتبعه عناقًا،
كم قصص نسجت، فهذا بيت عتيق عفا الزمن على جدرانه، ترى أكانت به عائلة دافئة؟ أم عائلة أرستقراطية من زمن الهوانم والأميرات؟ أم شاب وحيد قد ترك حياة الريف ورغب في صخب المدينة؟
وهنا طفل يراقب الشارع بشغف عله ينتظر صديقه؛ ليحظيا بمغامرتهم الأولى، وتلك سيدة تتوكأ على كتف زوجها تطالع الطريق بعيون فارغة، تتوكأ عليه وكأنها تشكو إليه هم الدنيا دون حتى أن تطالعه، وهو على الرغم من ثبات ناظريه على الطريق وجمود جسده إلا أنه بالنهاية؛ لأن كما ينحني الغصن أمام المطر وربت على كتفها بحنان ودون إرادة منه طبع على رأسها قبلة خفيفة وتنهيدة يخبرها بها: أنه يعلم بثقل الأيام، ولكن لا يهون هم العمر سواها.
لعل أحب الأوقات إلى قلبي التي أمضيها بالطريق هي تلك التي تسبق الأعياد أو تليها، ترتسم فيها مئات الحواديت، وينسج خيالي من خلالها آلاف القصص؛ ولكن أجملهم وأقربهم لقلبي هي تلك التي سأقصها عليكم الآن.
كنا بليلة الوقفة، آخر أيام الشهر الكريم، ووسط ازدحام الشوارع وتدافع العربات والناس؛ وبينما أضحك على أم تجر خلفها ثلاثة أولاد معانقين لأكياس حوت ألبستهم للعيد وهما يتخبطون بمرح، وهي تحاول أن تزجرهم بشدة؛ لتحسهم على السير، التقت عيناي باثنين في منتصف العمر شاب بسيط وبيده فتاة حوت عيناها سعادة أكبر من تلك التي كانت على وجوه الأطفال تمسك بأكياس عدة ولحسن حظي ركبوا أمامي، لم ألحظ فيهم سوى عيني ذلك الشاب وهي متعلقة بالفتاة يطالعها وكأنها الحياة، تحرك يديها بانفعال وسعادة ويبدو أنها تتحدث وعيونه تزداد حبًا تخرج الهاتف؛ لتريه شيئًا ما وكلما سكتت حثها على الكلام، يطالعها وعينيه لا تفعل سوى أن تجرني رغما عني؛ لقول سمعته مرة:
في بحر عينيك هامت كل أشواقي يا ربة الحسن، هل تنوين إغراقي؟
ما كنت أؤمن بالعيون وفعلها؛ حتى دهتني بالهوى عيناك،
رأيت الكثير من المتحابين ولكني لم أر مثل عيون تطالع المحب مثلما فعل، ابتسمت رغما عني وقرصني قلبي بالشوق متذكرة حبيبي، دعوت له ولهما وتابعتهم بشغف، وبعد فترة رأيت أن الفتاة لا تتحدث مثلنا بل بلغة الإشارة وتحاول بين برهة وأخرى أن تخرج كلمات ضعيفة كطفل يجاهد؛ لخروج الكلام، قلت في نفسي: لعلها نعمة الله عليها أن يحرمهما الكلام؛ ليكرمهم بما هو أبلغ.
حتى تركته الفتاة ونزلت؛ لأفاجئ أنه يتحدث مثلنا وهو يسأل السائق عن مكان قريب ويكمل حديثها معها في مكالمة فيديو من الهاتف، لم يخجل من همهمتها العالية، لم يشح بناظريه عنها إلى أن ذهبا لم تذهب تلك النظرة عن عينيه حتى ذهبت أنا، كانت عينيه تراها كربة الحسن، كان قلبه منطبع في عينيه، كانت رحمة، وحبًا، وشغفًا لم أر مثلهما كانت عينا محب ترى العيوب مفاتن، كانت كصدق قول أم كلثوم: العيب فيكم، أم في أحبتكم، أم الحب يا روحي عليه.






المزيد
الأمل الجديد ! بقلم سها مراد
بين الضجيج والصمت بقلم الكاتب هانى الميهى
مش مهم بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر