مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

في البدء كانت حواء بقلم الكاتبة إسلام محمد صديق

في البدء كانت حواء 

الكاتبة إسلام محمد صديق

 

قبل أن تُسمّى أمًّا، أو أختًا، أو ابنةً، كانت حواء أولَ إجابةٍ منحها الله لوحشة الإنسان. لم تُخلق لتكون ظلًّا له، بل سكنًا لقلبه، وأنسًا لروحه، وشريكةً في رحلة الحياة.

 

فمنذ اللحظة الأولى، لم يكن وجودها إضافةً إلى العالم، بل كان اكتمالًا لمعناه. كبرت الأزمنة، وتبدّلت الوجوه، لكن جوهر المرأة ظلّ ثابتًا؛ تمنح دون أن تُحصي ما أعطت، وتحتمل بصمتٍ ما تعجز عنه الكلمات. تحمل في قلبها قدرةً نادرة على ترميم الأرواح، فتغدو يدها بلسمًا، وحضنها مأوى، وصوتها طمأنينة، ووجودها وطنًا صغيرًا يعود إليه الإنسان كلما أثقلته الحياة.

 

حملت ما لم تحمله الجبال؛ فصارت أمًّا، واكتست من مكارم الحنين؛ فصارت أختًا، وخرجت من رحم المحبة؛ فصارت بنتًا، وتسلّحت بصبرٍ يليق بالخلود؛ فصارت زوجة.

 

أمست وطنًا يلجُ إليه الرجل؛ يعود متعبًا مثقلًا بضجيج الحياة، فيُلقي عند عتبتها ما تراكم في روحه من عناء، وكأن قلبه لا يهدأ إلا في حضرة طمأنينتها. فمهما اشتدّ عوده، يبقى فيها انتماؤه الأول، وفي معيتها سكينته التي لا يبدّلها.

 

ثم تواصل مسيرها رافعة راية الأمومة، لتُخبر العالم أن عطاءها لا ينضب، وأنها رغم ما تمنح من حبٍّ وصبرٍ واحتواء، لا تزال تُخرج من بين يديها أجيالًا يتخرّجون عطفًا ورحمةً، وقوةً ووقارًا، وبمزيدٍ من الأرواح التي تؤمن أن الحياة لا تستمر إلا بالرحمة.

 

ولذلك، لم تكن المرأة يومًا طارئًا على الوجود، بل أصلًا في تكوينه؛ تؤوي وتُنشئ، تصنع وتُنمّي، وتبثّ في الحياة روحها الخفية. كأنها وُجدت لتمنح المعنى استمرارَه، ولتُذكّر العالم في كل صباح أن العطاء أوسع من أن يُقاس، وأعمق من أن يُروى.

 

وهكذا ستبقى حواء ليست نصف الحياة، بل معناها؛ فكلُّ حضارةٍ تبدأ من قلب امرأة، وكلُّ إنسانٍ عظيمٍ كان يومًا طفلًا في حضنها.