مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

فلسفة الصمت.. الحلقة الثانية ” تاريخ الصمت في الفلسفه “

بقلم/ عمرو شعيب

منذ أن بدأ الإنسان في التفكير، كان الصمت يرافقه كظلّ للفكر، لا يفارقه ولا يُرى إلا حين يبتعد عنه الكلام. في بدايات الفلسفة، لم يكن الصمت مفهوماً قائماً بذاته، بل خلفية ضرورية لكلّ قولٍ يتقدّم. فالفلاسفة الأوائل حين تحدثوا عن الوجود، لم يدركوا أن الوجود لا يُقال إلا لأنّ الصمت يمنح اللغة إمكانية أن تبدأ. كانت الكلمة الأولى في التاريخ الفلسفي هي انبثاق من الصمت، والسكوت كان شرط البداية. ومع ذلك ظلّ الصمت مجهولًا، غير معترف به، لأن الفلسفة كانت، في جوهرها، خطابًا يرغب في قول كلّ شيء.

عند الحكماء الشرقيين الأوائل، في الصين والهند، كان الصمت أكثر حضورًا مما هو عليه في الفلسفة اليونانية. ففي التاو مثلاً، لم يكن النطق سبيلًا للحقيقة، بل عائقًا أمامها. الحقيقة هناك تُدرك بالصمت، لأنها لا تقال، بل تُعاش. أما عند البوذيين، فالصمت ليس غيابًا للقول، بل طريقًا إلى وعيٍ لا يحتاج إلى لغة، إذ يصبح الوعي نفسه تجربة صامتة. بينما في الفكر الغربي، منذ بداياته مع اليونان، سادت فكرة أن الحقيقة يمكن قولها، وأن القول هو شكل الوجود في الوعي. وهكذا بدأ التوتر بين الصمت والكلمة، بين الفكرة التي تُقال، والفكرة التي تُفلت من اللغة.

عند سقراط، كان الصمت يحضر في طريقة أخرى: في السؤال. فكل سؤال سقراطي هو صمتٌ متنكر في كلام، إذ لا يهدف إلى الإجابة، بل إلى أن يُبقي المعنى مفتوحًا، معلّقًا، في مساحةٍ من اللايقين. سقراط، وهو يطرح أسئلته، كان يمارس أعمق أشكال الصمت: الإنصات لما لا تستطيع اللغة قوله بعد. أما أفلاطون، فكان يرى في الصمت ما هو أبعد من القول، إذ ربط بين الحقيقة والمعرفة الصامتة في “العالم المثالي”، حيث لا حاجة للكلام لأن المعنى حاضر بذاته. الصمت عنده هو شكل من أشكال التذكّر، تذكّر ما لا يحتاج إلى النطق لأنه قائم في النفس منذ الأزل.

ثم جاء أرسطو ليعيد اللغة إلى مركز الوجود الإنساني، فصارت logos هي جوهر الإنسان، وصار الصمت فقدانًا لهذا الجوهر. عنده، من لا يتكلم لا يفكر، ومن لا يفكر لا إنسان. وهكذا بدأ الصمت يُقصى من حقل الفلسفة، بوصفه عجزًا، نقصًا في العقل، لا بوصفه أفقًا له. لقد تحوّلت اللغة إلى معيارٍ للوجود، وصار الصمت شيئًا يجب تجاوزه بالقول. ومنذ تلك اللحظة، دخلت الفلسفة في صراع طويل مع صمتها.

في العصور الوسطى، ومع صعود اللاهوت، اتخذ الصمت وجهًا جديدًا: وجه الإله. فالصمت صار علامة على ما لا يمكن قوله عن الله. كلّ ما يُقال عنه ناقص، وكلّ محاولة للتعبير عنه تنقصه. عند المتصوفة، في الإسلام والمسيحية على السواء، تجلّى الصمت كأرقى أشكال المعرفة: أن تصمت أمام اللامتناهي لأن اللغة لا تطيق حضوره. الصوفي لا يسكت لأنه لا يجد ما يقول، بل لأنه يدرك أن القول يفسد التجربة. فالصمت هنا ليس نقصًا في اللغة، بل حماية للمعنى من التشويه.