كتبت: خولة الأسدي
وقفتُ أشاهده بسعادة مشتاقٍ؛ فسقوطُه بعد انقطاعٍ يشبه عودةَ أحبَّتِنا الغائبين، فنُنصتُ لقطراتِه بذاتِ الشغفِ الذي نرتشفُ فيه أصواتَهم، كأنَّا نخشى أن تفوتَنا همساتُهم العذبةُ، وتنقضي لحظةُ اللقاءِ قبل أن نروي أرواحَنا من دفءِ وجودِهم.
وحين نشاهدُ المطرَ من خلفِ نوافذِنا، بأنفاسٍ مبهورةٍ ونظراتٍ حالمةٍ، يكون تأثُّرُنا عائدًا إلى كونِنا نشاهدُ أعظمَ عناقٍ في الوجودِ، ذلك العناقَ الخالدَ بين السماءِ والأرضِ، حيثُ ترسلُ السماءُ قطراتِ الحياةِ إلى محبوبتِها المشتاقةِ، فتنتعشُ كفتاةٍ مغرمةٍ تتلقَّى رسالةً من حبيبِها بعدَ طولِ يأسٍ، فترتدي أجملَ حُلَلِها احتفاءً بعودتِه، ويكسو وجهَها بريقُ السعادةِ، كما تكتسي الأرضُ بثوبِها الأخضرِ البهيجِ، معلنةً بدءَ فصلٍ جديدٍ من الأملِ والخصبِ.
فيما نهرعُ جميعًا إلى نوافذِنا، لمشاهدةِ أولِ عناقٍ بعدَ الغيابِ، مسحورينَ بمسلسلِ الطبيعةِ وعظمةِ شاشاتِ الكونِ، تعلو ثغورَنا الابتساماتُ، تمامًا كحالِنا حينَ يعبرُ أبطالُ الرواياتِ والمسلسلاتِ لحبيباتِهم عن مشاعرِهم، غيرَ أنَّ هذه المشاعرَ هنا ليست مجردَ مشهدٍ دراميٍّ عابرٍ، بل هي حقيقةٌ تلامسُ القلوبَ، وتمسُّ الأرواحَ العطشى للسكينةِ.
ونحن لسنا مجردَ مشاهدينَ فقط، بل جزءٌ من هذه الملحمةِ الكونيةِ؛ فالانتعاشُ الذي يغزو أرواحَنا، وتلك النضارةُ التي تكسو أجسادَنا، أكبرُ من أن تكونَ مجردَ تأثُّرٍ بمشهدٍ جماليٍّ عابرٍ؛ بل هي صلةٌ خفيَّةٌ ومتجذِّرةٌ بينَنا وبينَ هذا الكونِ العظيمِ، فنحنُ ننتمي إلى الأرضِ جسديًا، وإلى السماءِ بالأرواحِ، وذلك سرُّ تأثُّرِنا العميقِ، وسرُّ تلك السعادةِ الغامرةِ التي نشعرُ بها كلَّما عادَ المطرُ ليمنحَنا لحظةً أخرى من هذا العناقِ المقدَّسِ.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى