مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

غرباء في الدنيا 

Img 20250420 Wa0042

 

سارة أسامة النجار

 

نحن هنا، ضيوف عابرون في بيت لم نختره، نعيش تحت سقف لا يحتوينا، على أرض لا تحتفي بوجودنا. تحاول الدنيا أن تُقنعنا أنها مستضيفة كريمة، تضع أمامنا فُتاتًا من الفرح بين جدرانها المتهالكة، لكنها في الحقيقة تضيق بنا ذرعًا، تغلق الأبواب أمامنا، وتُطفئ الأنوار كلما حاولنا الاتكاء على لحظة طمأنينة.  

 

نحن نعلم أنها لا تريدنا هنا، لكننا لسنا بقادرين على الرحيل. نبحث عن نافذة مفتوحة فلا نجدها، نحاول أن نشكو فلا يسمعنا أحد، نعيش بين ضيافة متكلّفة وتلميحات صامتة بأن هذا المكان ليس لنا.  

 

لكننا نصبر، ونستيقن أن هذه الغربة في بيت الدنيا ليست النهاية، وأن ما ينتظرنا في جنة الفردوس أعظم وأجمل مما يمكن أن نتصوره. هناك بيتنا الحقيقي، حيث لا ضيق ولا ألم، حيث تنقطع الحروب وتزول الأحزان، حيث الراحة الأبدية بانتظارنا، جائزةً لصبرنا في وجه الظلم والخذلان.  

 

نحن هنا غرباء، لكننا لسنا بلا وطن. وطننا الحقيقي هو الفردوس الموعود، هو الذي نسعى إليه بين جراحات هذه الحياة، ونتخذ من آلام الدنيا سلمًا نحو رحمة الله. ففي كل ألم يجرحنا، وفي كل لحظة ضيق تخنقنا، ينبعث الأمل من عمق أرواحنا، أننا نصبر لنفوز بأعظم نعيم، هناك حيث ينتهي كل وجع إلى سلام.  

 

في هذا الطريق الطويل، نتحدث لأنفسنا كما يفعل المسافر في محطة مهجورة، نواسي بعضنا كما يفعل غرباء التقوا على طريق مليء بالمشقة. نحمل الأمل في حقائبنا الصغيرة، ونسير بخطى مثقلة، موقنين أننا غرباء هنا… لكننا لسنا وحدنا، فجنة الفردوس تنتظر صبرنا، وهي وحدها الكفيلة أن تجعل من كل وجع ذكرى عابرة لا أكثر.