#عَلَىرُكَامِكَبَنَيْتُنِي
#فراس النابلسي
كنتَ الأمانَ، وظلّ نبعٍ دافقٍ *** كنتَ الحضورَ بصمْتِهِ الوَلَهانِ
أمضيتُ عُمري في رعايتكَ التي *** منحتُها كالماءِ للأغصانِ
كنتَ الذي إن ضاقَ وقتي بالمنى *** وسّعتُ حلمي فيكَ… كالأوطانِ
أعطيتُ قلبي دون شرطٍ، إنّما *** ما كنتُ أحسبُ أنني الدُّخْيانِ
ما كنتُ أحذرُ من يدٍ لكَ ودّها *** حتّى طعنتَ القلبَ كالغدرانِ
طيفي الذي خبّأتَه في صدري، هوى *** كالكأسِ تنكسرُ على الشطآنِ
كيف ارتضيتَ لخافقي أن يُغرزَ الـ *** ـخنجرُ باسمِك؟ كيف لا تخشاني؟
أما خجلتَ من الدموعِ، وهي في *** عينيّ، تغزلُ صبرها الهيمانِ؟
أنا من إذا ضاقتْ دروبُك كنتُها *** أنا من إذا جفّ الوفا… سقاني
أنا من بنيتُك من حنيني سلّمًا *** حتى اعتليتَ على ذرى الأكوانِ
ثم انحدرتَ عليَّ سيفَ خيانةٍ *** ومضيتَ تضحكُ، والوجعُ أغناني
فلتشهدِ الدنيا: أنا لا أنحني *** مهما غدرتَ، فكبريائي داني
ولْتعلمَ الآنَ الحقيقةَ كلّها *** أنا لم أخنكَ… لكني نسيتُ أناني
أنا من إذا سقطَ الصديقُ بحفرةٍ *** مددتُ صدري دون أيّ رهانِ
والآنَ، أطفأتَ الحريقَ بمهجتي *** وتركتَني وحدي… بغيرِ أمانِ
لكني رغمَ انكساري شامخٌ *** فالعزُّ يُولدُ من لهيبِ الطعنِ
وسأمضي، لا تُعدْ، لا تسألَنْ *** لا تُنكرنّ دمي… ولا أحزاني
خذ خيبتك، وانظرْ لنفسك باحتقارٍ *** فأنا… أنا حرٌ… وأنتَ الجاني
وسأمضي، لا تُعدْ، لا تسألَنْ *** لا تُنكرنّ دمي… ولا أحزاني
خذ خيبتك، وانظرْ لنفسك باحتقارٍ *** فأنا… أنا حرٌ… وأنتَ الجاني
قد كنتَ وهمًا في ملامحِ حكمةٍ *** واليومَ، أنكرتَ الوفا الفاني
كم قلتُ عنكَ: “هو الرفيقُ إذا سطا *** كلُّ الظلامِ، وكانَ لي ميزاني”
فإذا بكَ الوجهُ الخفيُّ لخيبتي *** ويدُ التظاهرِ بالرضا شيطاني
ما ضرّني غدرُ العدوّ، فإنّهُ *** لا يرتدي أقنِعةَ الإحسانِ
لكنْ يُمزّقني سقوطُكَ داخلي *** فأنا صنعتُكَ من رجاءٍ ثانِ
أنا من كتبتُك في الحضورِ قصيدةً *** واليومَ تمحوها يدُ النكرانِ
أتُراكَ تعلمُ ما يُمزّقُ عاشقًا؟ *** أن يحتضنْكَ، وتغدرَ الأركانِ
أن يستكينَ لصوتِ صدقٍ باسمِه *** ويصيرَ منكَ القتلُ بالألحانِ
أتُراكَ تدركُ كم بكيتُ بقلبِ من *** قد علّمَ الدمعَ السكوتَ الجاني؟
أتُراكَ تدري أنّ ظهري لم يَنَمْ *** مذ كنتَ خنجرَهُ بكلّ أمانِ؟
لكنْ، وإنْ صُلبَ الأسى في أضلعي *** سأظلُّ فجرَ الحرفِ… لا يُنساني
وسأرتقي، فالماءُ حين يُخونُهُ الـ *** ـنهرُ، احتضنْهُ السحبُ بالجريانِ
أنا لا أعودُ لمن خذلْتُ أمامَهُ *** نصفَ انكساري… والبقيّةَ عِصْياني
.
سِرْ يا رفيقَ الخذلِ، لا تتلفّتَنْ *** فالحرُّ لا يمشي مع الخوّانِ
كفٌّ كسَرتَ بها اعتقادي كلّهُ *** ويدي ارتوتْ من غدركَ المجّانِ
كنتُ احتضنْكَ كأمنيةٍ بلا *** سِربٍ، وأحرسُ حلمَكَ الفوْتانِ
فإذا بكَ السهمُ الكمينُ بداخلي *** يُخفى، ويُغرسُ في حشايَ الجاني
ما عدتُ أجهلُ أن طعنكَ سُنّةٌ *** في كلِّ قلبٍ كانَ بالأوطانِ
أنا موطنُ العزِّ العريقِ، ولن ترى *** فيّ انكسارَ القهرِ أو نسياني
أنا من سكبتُ الحلمَ فيكَ كأنّني *** أعطيتُ روحي للهوى طوفانِ
فمضيتَ، تزرعُ خيبتي في ظلّها *** وكأنّني لا كنتُ في الحسبانِ
أتركتني كالطفلِ يُلقي دُميَةً؟ *** بل كنتُ دمعَ الدُميةِ الحيراني
أتراكَ تفهمُ؟ إنّ كذبتكَ التي *** نُسجتْ حريرًا… كانت الطوفانِ
قد كنتَ في عيني دليلَ براءةٍ *** واليومَ صرتَ مخالبَ الدّيجانِ
أنا لا أعاتبُ، بل أُرتّلُ حكمةً *** تُكتَبْ على جدرانِ كلّ كيانِ
أنا لا أبيعُ النبضَ في سوقِ الهوى *** ما كنتُ عبدَ اللحظةِ الجَبّانِ
أنا من بنى صبرَ الجبالِ بقلبهِ *** وسقى المدى من عزةِ الإنسانِ
وجعي وسامٌ في الجبينِ، وشارةٌ *** في الروحِ لا تُخفى على الميزانِ
جرحي قصيدةُ من ذهب، لا تنثني *** وسطورُها من نارِها… ألحانِ
:
ما عاد في صدري يقينٌ واضحٌ *** فالشكُّ صارَ ملامحي وأماني
ما عدتُ أفتحُ للورودِ دفاتري *** فالوردُ في يدهِ دَما أغصاني
صارَ الوفيّ لديَّ محضَ تهيئةٍ *** والمخلصونَ… غيومُ وهمٍ فاني
هل بعد طعنتكَ الجبانةِ أستطيعُ *** أن أحتضنَ صدقًا؟ بأيّ لسانِ؟
أنا من قتلتُ النبضَ في شفتيّ كي *** لا يُولَدَ الإحساسُ من نيراني
طفلُ الثقةِ في فؤادي شيّعتُهُ *** والعمرُ أمسى سائرًا في جاني
لكنني… لما انطفأتُ، أضيئتُني *** وكسرتُ صمتي حينما ناداني
أنا لم أكن يومًا حكايةَ نادمٍ *** بل كنتُ من ينهضْ من الطوفانِ
من كلّ خذلانٍ نَهضتُ كأنني *** جَبلٌ، يمرُّ القصفُ من بُركاني
أنا من يجمّعُ من حطامي أمتي *** وأعودُ وحدي قِمّةَ العنفوانِ
فلتنكسِ الراياتُ فيك، فإنّني *** ما كنتُ يومًا تابعَ الخذلانِ
أنا الكبرياءُ، وإن بكيتُ مرارةً *** فالبحرُ يُخفي مِلْحَهُ بلسان






المزيد
أنفاس جديدة بقلم ميليا عبدالكربم
عهد الصداقة الأبدي بقلم رحمة صديق عباس
سندي فى الدنيا بقلم د. عبير عبد المجيد الخبيري