مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

على حافة الغربة

كتبت:ريم حماده

الغربة ليست سفرًا فقط…

إنها امتحانٌ صامتٌ للروح.

أن يبتعد جسدك عن كل ما اعتاد عليه قلبك،

فتشعر أن روحك صارت مقسومة بين مكانين:

هنا… حيث تعيش وتتعلم وتكبر،

وهناك… حيث تركت نصفك الآخر ينتظر.

 

الغربة أن تتقن لغاتٍ لا تُشبهك،

وأن تكتب كلماتك بلهجةٍ غريبة كي يفهموك،

لكن قلبك يظل يُحدّث نفسه بلغته القديمة.

أن تضحك مع الغرباء ثم تعود إلى غرفتك،

فتجد صمتًا طويلًا يسألك:

“أين الذين كانوا يملؤون حياتك دفئًا؟”

 

الغربة أن تكتشف قيمة التفاصيل الصغيرة:

رائحة الطعام في بيت العائلة،

دعوةٌ على كوب شاي في آخر الليل،

حديثٌ عابرٌ مع صديقٍ لا يحتاج تبرير مشاعرك.

أن تدرك كم كنت غنيًّا بأشياءٍ لم ترها حين كانت في يديك.

 

الغربة… أن تحمل حقيبةً ممتلئة بالذكريات،

وتتظاهر أنها خفيفة،

أن تحنّ إلى زوايا لا يدرك الغرباء أنها كانت وطنك.

أن تصبح المدن كلها شبيهة،

وأن تفتقد وجهًا واحدًا يختصر لك معنى البيت.

 

أحيانًا، تستيقظ قبل الشروق بقليل،

يظنّ قلبك أن موعد العودة قد حان،

فتكتشف أن العودة ليست رحلةً بالطائرة،

بل عودةٌ صعبةٌ إلى نفسك التي تغيرت.

 

في الغربة، يكبر الحنين مع كل صباح،

يتسلل بين لحظات الفرح،

يفسد عليك الاحتفال،

ويهمس في قلبك:

“كم تمنيت لو أنهم هنا.”

 

لكن رغم وجعها، تعلمك الغربة دروسًا لا تمنحها الحياة بسهولة:

تعلّمك كيف تكون قويًّا في وحدتك،

وكيف تصنع دفئك بيديك،

وكيف تكتشف ملامحك الحقيقية بعيدًا عن العيون التي تعوّدتك.

 

الغربة امتحان صبر،

ولغة صامتة بين قلبك والسماء،

تعلّمك أن تشتاق دون أن تنكسر،

وأن تحب الحياة ولو من بعيد…

ولو بوجع.