لا أدرى ما الذنب الذى اقترفته
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل الثانى
السر
هناك أسئلة لا تبحث عن إجابة، بل تبحث عن قلب يحتملها.
لا يولد هذا السؤال مع أول وجع، بل بعد سلسلة طويلة من المحاولات. يخرج من الإنسان حين يراجع أيامه واحدةً تلو الأخرى، فلا يجد فيها ما يفسر ما حل به. يقلب سنوات عمره كما يقلب المرء صفحات كتاب قديم، يبحث عن خطأ كبير، عن معصية نسيها، عن ظلم ارتكبه، عن قلب كسره، فلا يجد إلا إنسانًا كان يحاول، ويخطئ أحيانًا، ثم يعود معتذرًا إلى الله.
عندها يبدأ السؤال فى التشكل ببطء.
لا أدرى… ما الذنب الذى اقترفته؟
ليس تمردًا على القضاء، ولا اعتراضًا على القدر، بل حيرة إنسان يرى أن ميزان الدنيا لا يشبه دائمًا ما كان يتوقعه. فقد كان يظن أن الطريق المستقيم يختصر المسافات، فإذا به يكتشف أنه قد يكون أطول الطرق وأشدها وعورة. وكان يظن أن الابتعاد عن الحرام يفتح أبواب الطمأنينة، فإذا بالحياة تمتحنه من أبواب لم يكن يعرفها.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقى.
ليس بين الإنسان والناس، بل بين الإنسان ونفسه. يحاول أن يقنع قلبه بأن كل ما يحدث له حكمة، بينما يهمس داخله صوت آخر يسأله فى صمت: لماذا أنا؟ ولماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصورة؟
إن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس المصيبة، بل عجزه عن فهمها. فالعقل يحب الأسباب الواضحة، أما القدر فلا يلتزم بما نريده نحن من تفسير. إنه يعلمنا أحيانًا أن الإيمان ليس أن تفهم كل شىء، بل أن تستمر فى السير حتى عندما لا تفهم شيئًا.
كم من إنسان حمل هذا السؤال سنوات طويلة، ثم اكتشف متأخرًا أن الله لم يكن يعاقبه، بل كان يصنع منه إنسانًا لم يكن ليولد فى حياة سهلة. وكم من دمعة ظن صاحبها أنها علامة غضب، فإذا بها كانت سببًا فى أن يبقى قلبه حيًا، لا تغريه الدنيا ولا تخدعه كثرة الناس.
نحن نربط بين الطاعة والراحة، بينما الحقيقة أن الله لم يعد أحدًا بطريق بلا ابتلاء، وإنما وعده ألا يتركه وحده فى الطريق. وقد يكون الفرق بين الوعدين هو الفرق بين من يعبد الله لأنه يعطيه، ومن يعبده لأنه الله.
وحين يشتد الليل، ويضيق القلب، ويثقل السؤال، يبقى هناك يقين صغير لا يراه أحد. يقين يقول لصاحبه: ربما لن تعرف اليوم لماذا حدث كل هذا، لكن سيأتى يوم تنظر فيه إلى الخلف، فتدرك أن الله كان ينقذك بطريقة لم تكن لتختارها لنفسك.
لهذا، ليس أخطر ما فى السؤال: “ما الذنب الذى اقترفته؟” بل أخطر ما فيه أن يظن الإنسان أن الله قد تخلى عنه. فإذا نجا قلبه من هذا الظن، فقد نجا من أعظم الفتن، ولو بقيت الأسئلة كلها بلا جواب.
رسالة الفصل
ليست كل الأسئلة خُلقت لتُجاب، فبعضها خُلق ليقود القلب إلى يقين أعمق مما كان يملكه قبل الألم.
تمهيد الفصل الثالث
وقبل أن يصبح هذا السؤال رفيق الطريق، كانت هناك فتاة لا تعرف من الحياة إلا وجهها المشرق، وكانت تظن أن المستقبل يشبه أحلامها…
الفصل الثالث: كنت تلك الفتاة الصغيرة الحالمة.






المزيد
جميلةُ تموز بقلم بلال حسان الحمداني
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة بقلم الكاتب هانى الميهى
انتظر ولا تيأس! بقلم سها مراد